فكرتان محفزتان للسلام

نبض الحياة .. عمر حلمي الغول

تشير القرائن الأوروبية والعالمية لوجود استياء، أو لنقل عدم ارتياح، وتنافر بين الكل العالمي وبين إدارة ترامب، التي قلبت معادلة السلام رأسا على عقب على المسار الفلسطيني الإسرائيلي. واحدثت إرباكا حقيقيا في العملية السياسية، لا بل شلت كل الجهود الأممية، ومزقت مرجعيات عملية التسوية السياسية من خلال طرحها ما يسمى صفقة القرن المشؤومة في النصف الثاني لعام 2017، وما تلا ذلك من انتهاكات خطيرة لمنظومة العمل الدولية وقراراتها وقوانينها وضوابطها منذ عشرات السنين، تمشيا مع رؤيتها العدمية، والفاقدة الأهلية السياسية والأمنية والاقتصادية، وانسجاما مع خلفيتها الدينية الخرافية المجنونة. 
وأهم القرائن السياسية المتناقضة مع الرؤية الأميركية بالإضافة للبيانات السياسية الدورية، التي تؤكد فيها الأمم المتحدة والدول والأقطاب على تمسكها بخيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967، التصريحان الهامان لزعيمين أوروبيين صدرا في الفترة القريبة الماضية، وهما: الأول للمستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل في نهاية مايو / أيار الماضي (2019 ) تضمنته كلمتها لطلبة جامعة هارفارد الأميركية، عندما أكدت في النقطة الثانية من النقاط الست، التي طرحتها امامهم، ضرورة تضافر الجهود الجمعية الأممية لحل المشكلات والتحديات السياسية والاقتصادية والأمنية والبيئية، التي تواجه شعوب الأرض، حيث لا يمكن لدولة، أو طرف بعينه حل هذه المعضلة الأممية، أو تلك. الأمر الذي يملي تكامل وتعاضد الجهود الأممية لبناء عالم خال من الفوضى والإرهاب والتلوث البيئي؛ الثاني كان تصريح الرئيس الفرنسي، مانويل ماكرون في آب/ أغسطس الماضي (2019)عشية انعقاد قمة G7 في مدينة بياريتس الفرنسية، الذي أكد فيه، اننا لم نعد بانتظار صفقة الرئيس ترامب، وعلينا ان نبحث عن حلول أخرى، تعيد الاعتبار لخيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967. 
كلا التصريحين الأوروبيين مهم جدا، ويحملان بهذا القدر أو ذاك تكاملا فيما بينهما لتجسير الهوة، التي أحدثتها السياسة المغامرة والمقامرة للإدارة الأميركية. ويمكن للدولتين المركزيتين في إوروبا بالإضافة للاتصال، الذي أجراه رئيس الوزراء البريطاني بعد توليه الحكم مع الرئيس محمود عباس في الثلث الأخير من آب/ أغسطس الماضي (2019)، وما عاد أكده امس السبت (7/9/2019) بعد لقائه رئيس وزراء حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، من تمسكه، وتمسك بريطانيا بحل الدولتين، يمكن لهذه الجهود الأوروبية ان تشكل حاملا مهما لعملية السلام، ومحفزا قويا لإعادة الاعتبار لذات الخيار، الذي حاول الرئيس دونالد ترامب وفريقه الصهيوني تدميره، وتصفيته عبر مشروع صفعة العصر الممتلئة بالترهات والأفكار العبثية، واللامنطقية، والدافعة المنطقة برمتها إلى دوامة العنف والإرهاب والحروب.
وتتضاعف أهمية هذه المواقف بإعلانها عشية انعقاد الدورة الـ74 للأمم المتحدة بعد أسبوعين من الآن، وايضا باللقاء الذي سيجمع الرئيس محمود عباس مع نظيره الفرنسي، ماكرون عشية نهاية الشهر الحالي، حيث يمكن التعاون الأوروبي والروسي والصيني والهندي والعربي مع كل الدول المحبة والداعمة للسلام لضخ الحياة في روح التسوية السياسية المتفق عليها، ووقف سياسة التهويد والأسرلة العنصرية والفاشية، التي تنتهجها حكومة اليمين المتطرف بقيادة الفاسد نتنياهو، ووضع حد لسياسة الغطرسة والعنجهية للرئيس النرجسي الأفنجليكاني ترامب، وكلا السياستين تتعارض مع روح السلام، والتحقيق النسبي للعدالة الممكنة والمقبولة من خلال تأمين استقلال وسيادة دولة فلسطين، وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين. 
الفكرتان تحفزان عملية السلام، ويفترض البناء عليهما، وخلق الشروط المؤاتية عربيا وإسلاميا وأمميا لترجمتهما إلى افعال، وعدم الاكتفاء بالتصريح والإعلان. لأن قيمة أية مواقف جادة، وصادقة تكون بالترجمة الفعلية على الأرض. لأن العالم عموما والفلسطينيين خصوصا ملوا، وضاقوا ذرعا من البيانات والتصريحات، التي لا رصيد لها. 
[email protected]