أشجار تتألم

إلى محمد بركة


عبدالله عيسى 
هو ذاتهُ !
من يقتفي جيرانه العميان ظل الضوء بين يديه حتى يسرقوا زيت السراج ، 
و يزرع الزيتونَ فوق سريره كي يكلأ المشكاة من طراق منتصف الليالي . 
لا يعانق نخلة إلا ليروي ما أسرت جثة الماضي لأحفاد الغزاة الخارجين من الأساطيرِ  القديمة  بين سهل مؤاب والسور الذي هرمت ظلالهُ في أريحا،  
أو يصادق نملةً هبطت من الجبلِ المجاورِ ،
 حيث كان العابرون يقلدون مزاجَ نسوتنا  بتطريز الممالك بالحجارة ذاتِها والطينِ ، إلا كي يعلّمها  فنونَ الصبر كاملة ، وحكمةَ أن تصدّق قلبها بين الجحافل.   
كل شيء سوف يمضي .  
ذاته 
من يهتدي في بيته ، ذاك الذي أرقتهُ في شفاعمرو جمارُ الذكريات ،
 إلى روائحِ كرمِ صفوريّةَ الأولى ، 
ويندر أن يجادلَ خوف سجانيه من فرط ابتسامته الأخيرة في انتظار زيارة أخرى لزوجته التي ستعودُ بعد زيارةٍ أخرى لسجن ابنيهما في لجّة الصحراءِ . 
- للأفكارِ أجنحةٌ
،  تقولُ له ،  
-كما للأرضِ طعمُ الميرميّةِ في وصايا الأمهاتِ
، يقولُ ، 
- يوجعني بسجنهما العدوّ .
ويكتفي بعناقها كي لا يمرّ الوقت بينهما سدى. 
-كلّ النهارِ يضيقُ دونكٍ بي ، 
وليسَ هناكَ في كل الليالي أيّ متسعٍ لحلمينا 
أنا الآتي إلى غده 
وسجّاني الذي يمضي إلى أسفارِه الأولى ، 
ولا يتوقّفُ الأمواتُ فيها عن تعاطي مهنةَ التحديقِ في سرّ الشعاعِ المطمئِنّ  على نوافذِنا ، ورميِ جذوعِهم ْكروائحِ الغرباءِ  في الطرقاتِ، 
 فيما يتتهي من حيث يبدأ.
 كل شيء ..  
فلنعُدْ خلف الطفولةِ كي نرى الشمسَ التي وقفت لترعى ظلّنا ينمو على جنَباتِ سهلِ الحولةِ ، 
 الأرضَ  التي صعدتْ إلى أسمائِها كي تختلي مثلي بخالقِها ، فتشكو قاتلي لقيامتي بين الشواهدِ.  
كلّ شيء سوف يمضي مثله 
ما جئتُ إلا كي أعود مبشراً بصواب محراثي ومزماري ، 
وألقي بينكم ألمي سلاماً طيبا.ً   
هو ذاته!  
من كلما ناديتَهُ من جانب الطور اهتدى الوعل الشريد  إلى أصابعه ،
  فآنس في مخيّلة الذئاب  طرائد الشعب المجاور في إشاعات  الرواة،   
ومن إذا نودِي  يعود إلى الرواية كي يرى أبطالها يتفقّدونَ ظلالَهم في الليل فوق سلالم بقيت تدل على بيوتهم القديمة .
قد يكلّمُ فوقَ قلعةِ ديرِ حنّا أو هضابِ قلنديا نجومَ الرعاةِ 
، مصدّقاً ببراءة المعنى ، 
وينسى وجهَهُ القُرويّ في مرآة سائحة تصدّق أن نعمة مريم العذراء في أيقونة في بيت لحمَ تنير أبراج السماء ، 
وقد يعانق في رحاب المسجد الأقصى الحجارة عل إحداها رأت قدم النبي ، 
ولا يكلف نفسه إلا بما وسعتْ من الحسنى وقول الحق بين جنازة وتلاوة السور القصار .
وقدْ يشارك زوج جارته المهاجر ، عالمِ الفيزياء نصفِ الملتحي كأسير بابل ، خوفه من هزة أرضية في فرن ديمونا المحاذي ، أو هولوكست جديد بين غفرانين ، يفسد  نومه، 
فيما يواري نبتة الزعرور تحتَ قميصه الوردي عن مستوط يستدرج القتلى إلى أنسابهم . 
لا شيء يجعل جوقة الأمواتِ يبتسمون لي إلا التذكر .  
كلّ شيء سوف يبقى 
غيرَ أن رطانةَ الغرباء تصدأ فوق أسوار المدينة ، 
والقرى هرمتْ كثيراً بعدَنا، 
والزيزفون على ضفاف النهر مال كمن يعانق ركبتيه خائفا ، 
لاشيء يبقى 
بينما تتأوه الأحراش  .   
ليست تلك كفّ الله ، 
بل يد عابر  تلهو بحبر الوحي في الجرس الذي ربّيته في عنق شاتي . 
ليس هذا صوته ، 
بل نجمة تترصّدُ النهرينَ تضرب بالعصا ظهرالبحار لتوقظ الأشباح في البئر القديمة ،
والملوك المائلين على المزاميرِ التي ورَدت مثلّمة باهات الضحايا في كلام المرسلين، وسيرة الصبار في أنحاء أرضي . 
كلّ شيء سوف يمضي 
بينما أبقى 
أغني للسنونو كي يعود إلى  قرانا مطمئناً ، 
للحصى في النهر كي ينمو ، 
لسيّدة  تطوف ممالك النحل القديمة في الجبال لتطمئن على مصير الزهر في حاكورة البيت القديمِ ، 
لدمعة ذبلت على خد ابنة الجيران تجرحني .   
كأني لم أكن أرعى خراف سواي من مكر الذئاب ، 
ولم أقاسم ما تبقى من شعوب جاورتني الملح والينبوع ، 
لم أحمل صليب القانطين  من الخطايا ، 
ما ملأت سلال أبناء السبيل بحنطتي .  
وحدي 
أرى في ذكريات الآخرين يدي التي سرقت حياتي .