وزارة الثقافة وبيت القدس تنظمان قراءة لرواية حرب الكلب الثانية

رام الله - الحياة الثقافية - نظمت وزارة الثقافة بالتعاون مع بيت القدس للدراسات والبحوث الفلسطينية قراءة في رواية حرب الكلب الثانية للروائي إبراهيم نصر الله، في قاعة الشهيد محمود أبو النصر في غزة.
وقد افتتحت أ. رنا قفة منسقة فعالية في حضرة كتاب الندوة بتقديم للرواية والروائي ابراهيم نصر الله، واكدت على ان الفعالية تأتي بالتعاون مع وزارة الثقافة لحرصها على استمرار الفعاليات في المحافظات الجنوبية، وقدمت الكاتبة والشاعرة يسرى الخطيب في قراءتها الاولى تمهيد عن كيفية اندلاع حرب الكلب الأولى، وعن أجواء ما قبل الحرب، حيث أصبحت مجرد الأمور البسيطة والعابرة سببا وجيها للقتل، كأن يطلق أحدهم النار على الآخر بسبب حصوله على علامة غير مرضية في الامتحان، ويذكر أن معركة كبيرة نشبت وسقط حوالي 20 جريحا في مشاجرة جماعية جراء رغبة أحد العائلات أن يقفوا بالصف الأول لصلاة الجماعة . أما السبب المباشر لإندلاع الحرب فقد كان كلب، حيث باع رجل كلبه لرجل آخر ودفع المشتري له نصف الثمن نقدا وأجل النصف الآخر لوقت محدد، وفي الموعد المحدد ذهب البائع للمشتري ليستوفي دينه فاعتذر المشتري منه وأجله للشهر التالي ومما أثار انتباه البائع أن كلبه نبح عليه بشدة وأوشك أن يهاجمه، فكلمه في الوقت المحدد وبعد شهر ذهب البائع مرة اخرى ليستوفي دينه فلم يجد المشتري وأبلغته زوجته بأنه غير موجود وفي مشهد غرائبي وعجيب هجم الكلب على صاحبه وإلتهم البائع. فحمل أهل القتيل قتيلهم وذهبوا للشاري وأطلقوا النار عليه ومن هنا اشتعلت المعركة وتطورت فتجاوزت المدينة ومن ثم المدن المجاورة والمدن البعيدة ولم ينج من طرفي النزاع سوى الكلب. في هذه الأثناء تغيرت الصفات الوراثية والجينية لجميع الكائنات الحية بدءا من الإنسان الذي تحول الى الوحش ومروره بظاهر اختفاء الوفاء عند الكلاب وظهرت الأنانية لدى النمل، وقد أجمع علماء الأحياء على أن كثير من الحيوانات والحشرات باتت تقلد البشر وتقلد عاداتهم وأخلاقهم وأن الطبيعة تخلت عن براءتها ونظامها . 
فور أن وضعت حرب الكلب الأولى أوزارها لجأت الحكومة الى محو الماضي من عقل جميع المواطنين وعليه قد نشأ جيل جديد لا يعلم شيئا عن حرب الكلب الأولى، اللهم الا رجال الشرطة والجيش كانوا على دراية بالأمر وكانوا يتعقبون كل شخص يعرف عن الحرب إما بالاعتقال أو القتل بالإضافة الى راشد بطل الرواية كان على دراية بالحرب من خلال مشاهدته لفيلم وثائقي كشف عن حثيثات حرب الكلب الأولى مما وضعه كهدفه تلاحقه الحكومة . 
وتضيف الخطيب ان حرب الكلب الثانية بدأت بالصراع بين المتشابهين ، حيث أظهر أن أعظم انجاز طبي لحتى الآن ان يدخل الانسان من فتحة ويخرج من الأخرى إنسان آخر، بل على صورة أي إنسان آخر يريد أن يكون مثله، وهنا ظهرت الفنتازيا في رواية نصر الله، حيث ان الرواية تتحدث عن المستقبل البعيد، ويظهر فيه التكنولوجيا المتقدمة، وتوفر وسائل الاتصال والتواصل والتحكم والانتقال السريع بين الكواكب، في أجواء فانتازية غرائبية باحدى مدن المستقبل تدور أحداث الرواية في هذه المدينة بدأت تتغير أمور كثيرة خلافا للسابق مثلا، توقف الشمس عن الاشراق نهائيا وأصبح طول النهار 5 ساعات ، وسيطرة الليل الدامس على أجواء المدينة، وتفوق الطيور والحيوانات زيادة عن معدلها الطبيعي، وتجمع الفصول الأربعة في فصل واحد . 
وتبدأ الرواية من زمن قادم وبعيد وبلاد تشبه بلادنا العربية فحكومة من سلطة عاليا تتحكم بكل مفاصل الحياة والبشر، حيث يرمز للحكام بـ (القلعة) وهم يتربعون على السلطة مستخدمين أحدث الوسائل وأولها احصاء أنفاس البشر وحركاتهم، وتبدأ الأحداث باتفاق مبرم بين دول العالم أو ما تبقى منهم ينص على إلغاء الماضي والقضاء على ذاكرة الشعوب تماما كي تتمكن من السيطرة على زمام الأمور جيدا، معتمدة في نصها على أن القضاء على الماض برمته سيمنع أي محاولات للتمرد والثورة عليهم في المستقبل، وبالتالي سيتوقف التاريخ عن إعادة نفسه، ولكن ما لم يؤخذ بعين الاعتبار في ذلك الوقت هو أن التاريخ لا يمكن أن يعيد نفسه، بل البشر هم من يكررون أخطاءهم.
واعتبرت الخطيب أن الرواية متعبة جدا للقارئ من حيث غرائبيتها وفيها الكثير من الخيال العلمي وتشير في أحيان كثيرة عن غرائبية الأبطال وغرائزهم ودورانهم حول ذواتهم المريضة وفي حلقة مفرغة كمرضى نفسيين ذوو عقد جنسية. ومن خلال الرواية نستنتج رؤية الكاتب ويقول لنا : أن العالم أصبح تحت همجية مطلقة للقلعة (السلطة الحاكمة) ووراءها أمور دولية وترى أنها تتحكم بشعوبها كمجرد أدوات استثمار اقتصادي، لا أهمية لحياتهم أو موتهم، يدمرون البيئة من حولهم وتحويل حياتهم الى جحيم، لأن الحكام لا يفكرون الا بمصالحهم الخاصة والناس مجرد ضحايا طول الوقت. الرواية تتحدث أيضا عن حروب بأسباب واهية وغير منطقية كحرب الكلب الأولى، الحروب كما وردت في الرواية هي حروب مصالح وهناك الكثير من الشعوب والدول ضحايا هذه الحروب وهم عبارة عن مختبر تجارب مستباحة بشرا وحجرا، وترى أن هناك دول هي السبب في خراب العالم، حيث لا علاقة للكلاب بحروب العالم ولا صراعات البشر، وأن أسباب الصراع واهية ولكن نتائجها كارثية والمستفيد منها كثر كالسلطة من يدور ي فلكها وكذلك الأعداء. 
ان الرواية توظف الخيال العلمي باسلوب عجائبي وغرائبي وفنتازي حيث تقرا المجتمع وتحولاته وخضع الواقع والتركيز على تشوهات المجتمع، وبروز النزعة التوحشية لدى البشر والتي تقضي للمتاجرة بأرواح الناس في غياب القيم الإنسانية والخلقية، حيث ركزت الرواية على شخصين راشد البطل الرئيس وتحولاتها من معارض الى متطرف فاسد، وتكشف أيضا عن نزعة التوحش التي تسود النماذج البشرية وسيطرة النزعة المادية . 
 واعتبرت الخطيب ان حرب الكلب الثانية ديستوبيا أدب المدينة الفاسدة، حيث ان هذا النوع من الأدب لم يبرز كثيرا في أدبنا العربي كما وجد في الأدب العالمي، وفي هذا الأدب يكون الناس تعساء ولا يتم معاملتهم معاملة عادلة وإنسانية، وإذا تعمقنا في الأمر جيدا علينا أن نطرح سؤالا: 
ماذا أضافت رواية حرب الكلب الثانية أكثر من رواياته 1984 لجورج أوريل ورواية مباريات الجوع ؟! وماذا أضاف هذا العمل أكثر من رواية عسو؟! التي نشرها نصر الله قبل 28 عاما، كل هذه التساؤلات تقودنا للتساؤل، هل هناك أفكار أصيلة وجديدة طرحتها الرواية ؟!!
ويقول نصر الله "شخصية راشد المحورية غير مبنية على شخصية حقيقية محددة ولكنها نموذج مكثف في بعده الأقصى لما يمكن أن يصل الانسان في كل مكان. راشد شب كان ينتمي للقوى اليسارية التي عملت ضد السلطة وكان لهيئة الاعتقال والتعذيب والسجن. تناول نصر الله من خلال الرواية تقنية الاستنساخ بعد أن التجأ العلماء لفكرة التكاثر بالخلايا أو التكاثر بالنسخ إلا أن الأشباه بدأت بالظهور من اللاشيء، ولكن هذا التشابه لم بكن أمرا ايجابيا، حيث عبر راشد عن ذلك قائلا : أصعب شيء في العالم أن يجد المرء نفسه مع نفسه وجها لوجه. وتشكل عملية الاستنساخ الحدث المحوري في الرواية، فبعد أن أصبحت السكرتيرة نسخة طبق الأصل من سلام زوجة راشد اكتشف أن الفروق بينها تكاد تكون غير ملحوظة، وقد تفاقمت المشكلة حيث أن العملية الجراحية لم تقتصر على المظهر فحسب بل تطورت الى التماثل الداخلي في كل شيء، يتحول الأمر مع الوقت الى عدوى للشبه والتماثل التدريجي فبمجرد أن تمكث مع أحدهم وقتا طويلا حتى تصبح صورة طبق الأصل منه، نهاية غريبة يستهزئ الراوي بالحرب كالتي حدثت بالماضي كحرب داحس والغبراء والبسوس، وهو ما يجعل رغبة الإنسان متوقدة دائما لإشعال الحروب، فالنتائج واحدة، مهما اختلفت الحروب وأن البشر يكررون ذات الأخطاء، ولو مسحنا الماض في كل مرة،الحرب ستخلف دمارا، وربما سينسى الناس ذلك لكن كل شيء سيعود مرة أخرى حتى يجدوا بأنهم عادوا الى عصور عميقة من الظلام والجهل وهذا يوثق لبداية حرب الكلب الثالثة . 
وفي مداخلته قدم الشاعر والكاتب ناصر رباح شرحا حول التقنيات التي استخدمها الكاتب في روايته من حيث الاهتمام باللغة و الحوار و كسر الابهام، مشيرا بأن الرواية سياسية بامتياز وعبر عن اعتراضه على انها رواية مستقبلية و رأى انها تميل اكثر الى انها قراءة واعية جدا لأحداث تاريخية حيث تكرر نفس الأخطاء السياسية وتكرر نفس ردود الأفعال تجاهها، وأشار رباح الى ان تقنية تغيير الصفات الشكلية البشرية التي تنبأ بها الكاتب في روايته هي سلوك متكرر على مستوى النفس البشرية حيث يميل اغلب افراد المجتمع الواقع تحت ظل السلطة القمعية الى التشابه والتماهي مع الافراد المسيطرين، في ذلك النظام، سلوكا وفكرا واستطرد الشاعر الى ان هذا السلوك هو نوع من الدفاع عن النفس والتحصن بالمجموعة، ولكن هذا السلوك يفهم من قبل السلطة المطلقة، على انه تملق ونفاق وربما تسلق للوصول الى مراكز السلطة . وعرج على أجواء العتمة والعفن الذي امتلأت به صفحات الرواية، وانما هي قراءة حالية في تفسير العفن السياسي والعتمة الفكرية التي تمر بها البلاد الواقعة تحت ظل السلطة المطلقة. ونوه رباح الى جمالية اللغة والمفردات التي استخدمها الكاتب والتي قال عنها انها وكأنها قطفت طازجة حالا من حديقة المعجم. وأشاد بمستويات الحوار الشيق والمثير بين الشخصيات وهو حوار ذكي بين شخصيات ذكية ماكرة يرفع الحوار من مستويات الحذر والريبة بينهم، مما يعزز أجواء التوتر بين شخصيات الرواية عاكسا الجو العام ليوميات الحكم المطلق (الشمول).
وخلال العرض ثمن المتحدثون دعم وزير الثقافة الروائي د.عاطف أبو سيف لمثل هذه الفعاليات التي تغني المشهد الثقافي والوطني، بحضور لفيف من المثقفين والأدباء والمهتمين بالرواية والنقد، وعدد من نشطاء مكتبة حرف التابعة لمركز حراك الشبابي، واستمر النقاش في الرواية لأكثر من ساعة بعد نهاية العرض، حيث تنوعت الآراء حول قوة القصة والمراد من تلميحات وتصريحات الراوي، كما اختلفت التحليلات في أجواء ثقافية إبداعية ممتعة، وقدم كل من الروائي الكبير غريب عسقلاني مداخلة حول اهمية ومركزية الرواية، كما اضاف محمد نصار البعد الذي كانت تريد ان تصل له الرواية، وقد أكد حسام أبو النصر مسؤول الفعاليات في المحافظات الجنوبية أن هذا النشاط يأتي ضمن سلسلة من الفعاليات تنظمها وزارة الثقافة في قطاع غزة بتوجيهات من وزير الثقافة د.عاطف أبو سيف، كدليل حرصنا على استمرارية الفعل الثقافي والذي يوحدنا في مواجهة الاحتلال ويرتقي بجيلنا المتعطش دوما للنشاطات الثقافية.