الحضور الطاغي للمسألة الفلسطينية

نبض الحياة.. عمر حلمي الغول

في مطلق صراع بين الدول والشعوب والجماعات والقوى لا يمكن لقوة من طرفي المعادلة تجاهل الآخر، لأن القوة الأخرى موجودة في كل تفاصيل حياته، في الهواء، الذي يتنفسه، في الطريق إلى العمل، في المكتب، والمصنع، والمطعم، والمنتزه، في البيان، والبرنامج السياسي، أو الاقتصادي، أو الثقافي، أو الديني، وفي غرفة النوم والمطبخ والملجأ، وثكنة الجيش، وفي السوق، وحيثما ولى وجهه. 
حتى لو شاء أحد الأطراف غض النظر عن عدوه، وتجاهل حضوره في تفاصيل يومياته، لا يستطيع. لانه ينام ويستيقظ على أهدافه، التي رسمها، ويطورها باستمرار للقضاء على ذلك العدو. ولا يملك خيارا أمام نفسه، ولا أمام أقرانه وأصدقائه، ومن يمثل إلا ويكون العدو جاثما على سرديته، وقصصه وحكاياه اليومية. 
التناقض التناحري بين قطبي المعادلة السياسية لا يدع مجالا لتناسي، أو إغماض العين عن العدو، ولا أقول الخصم. لانه مقيم في الوعي واللاوعي عنده، لا يفارقه كظله، ويعيش معه في واقعه وخياله، وفي إفطاره مع قراءة صحف الصباح، أو متابعة شاشة التلفاز، أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي. لان شرط البقاء عنده، يكمن في الانتصار لاهدافه، ومشروعه ومخططه على عدوه. 
وهذا ما ينطبق تماما على المسألتين والقيادتين الفلسطينية والإسرائيلية الصهيونية، التي لا يستطيع اي منها غض النظر لثانية عن عدوه، فكل منهما يتابع أنفاس الآخر، وهمساته، ومواقفه، وأفعاله، ويجند لذلك كل ما يملك من أوراق القوة الفكرية السياسية والأمنية العسكرية والإقتصادية المالية والثقافية والدينية. وهذا الاهتمام المتواصل والمتعاظم يتعمق في اللحظات الحاسمة للسيطرة على مركز القرار، أو للحفاظ على الموقع، الذي تتربع به هذه القوة او تلك، كما لحظة الانتخابات البرلمانية. 
ولفت انتباهي أمس الثلاثاء الموافق (3/9/2019) ما طرحته الدكتورة هنيدة غانم أثناء تقديمها للندوة حول الانتخابات الإسرائيلية القادمة في 17 ايلول / سبتمبر القادم، اي بعد أسبوعين، عندما خلصت لنتيجة مفادها، ان هناك غيابا واضحا للمسألة الفلسطينية عن برامج الكتل والأحزاب الصهيونية. ولا اعرف كيف استنتجت الصديقة المتميزة والمتابعة للمشهد الإسرائيلي ذلك. فلو عادت مديرة مركز "مدار" إلى برامج الكتل والأحزاب الصهيونية، تجد أنها جميعا تتحدث عن الأمن، والسيطرة على القدس والغور الفلسطيني، وفرض السيادة على المستعمرات بمختلف مسمياتها وحجومها، وحتى على الجولان السورية العربية. إلا إذا كانت تعتقد غانم أن الخطاب السياسي البرنامجي غابت عنه محددات التسوية السياسية. ولكن بالتدقيق في البرامج السياسية، أو حتى كما ذكرت، ان الليكود لم يطرح برنامجا سياسيا منذ 2009. ولكن زعيم الليكود، وسياسات الحكومات الثلاث التي قادها نتنياهو، ومجمل القوانين، التي سنتها الكنيست في الدورات 18 و19 و20، والشعارات المرفوعة، كانت تنفذ على الأرض برنامجا سياسيا صهيونيا معاديا للسلام. وبالتالي ليس بالضرورة طرح برنامج حتى تتحدد هويته، أو سياسته تجاه عملية السلام. لان ممارساته، وخطواته، ومشاريعه، وانتهاكاته، التي كان آخرها في افتتاح العام الدراسي الجديد يوم الأحد الماضي الموافق (1/9/2019) في مستعمرة "الكانا"، التي اعلن فيها "فرض السيادة اليهودية" على كل الستعمرات الإسرائيلية. وبالتالي هو ليس بحاجة لطرح برنامج حتى يتم التعرف على موقفه، وموقف حزبه وتكتله من المسألة الفلسطينية. 
ونفس الشيء ينطبق بهذا القدر أو ذاك على الأحزاب والكتل الصهيونية الأخرى. فإن طرحت برامج، أو لم تطرح فالأمر سيان، وحتى عندما تركز على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والدينية داخل المجتمع الإسرائيلي، فإنها تهرب من الأرق الجاثم على عقول كل قادة دولة الإستعمار الإسرائيلية، وتحاول أن تبدو طبيعية، وأن القضية الفلسطينية باتت خارج حساباتها، وأجندتها، وانها نفضت يدها، ولم تعد بعد إقرار "قانون الأساس القومية للدولة اليهودية" بحاجة لإثارة الموضوع. لكن هذا الهروب الشكلي ناجم عن إفلاس، وعدم يقين، وخشية من الواقع وتداعياته، لإن الفلسطيني العربي موجود في كل جزيئات الحياة داخل المجتمع الإسرائلي. فإن طرحوا برامج، أو لم يطرحوا، وإن تبنوا هذا الخيار السياسي ، أو ذاك، فإنهم يتحدثون عن المسالة الفلسطينية. لإن هناك تلازم جدلي عميق بين المسألتين، بين العدوين، وبين التناقض التناحري القائم بين الفلسطيني العربي واليهودي الصهيوني الإستعماري. ولا يمكن إثارة أي قضية من قضايا المجتمع الإسرائيلي إلا والفلسطيني العربي موجود فيها، وعنوان اساس، لا يمكن نفيه، أو إغماض العين عنه. 
[email protected],ail.com