المستقبل لبكين.. عرب يسعون الى تحقيق أحلامهم في مختلف أرجاء الصين

بكين ( شينخوا ) كانت الصين تشهد تواجدا عربيا ضخما فيها في حقبة أسرة تانغ الامبراطورية ( 618 م. -906 م. ). واليوم؛ وبعد أكثر من ألف سنة، غدا هذا البلد الآسيوي أرضا خصبة لريادة الأعمال وتحقيق الأحلام للعرب من مختلف البلدان.

وفي سبيل توضيح الصورة الشاملة لحياة وعمل العرب في كل أنحاء الصين، أجرت وكالة أنباء "شينخوا" مقابلات مع 7 أشخاص من كل من اليمن وفلسطين والسعودية ومصر وتونس وسورية والجزائر، يعملون في قطاعات متنوعة في 7 مقاطعات وبلديات بالصين.

 

عقلان: " إما أن أعيش هنا في الصين وأنجح، أو أموت أحسن"

لم يخطر ببال الشاب اليمني مروان أحمد عقلان أنه سيكون يوما ما مواطنا فخريا في الصين، وأن ذلك سيكون بمثابة بوابة لتحقيق أحلامه وطموحه في النجاح كرجل أعمال. فبعدما وصل إلى مدينة شيشي بمقاطعة فوجيان بجنوب شرقي الصين عام ٢٠٠١، لم يكن في جعبته سوى ٤٠٠ دولار أمريكي فقط.

وأضاف عقلان أنه تمكن من تأسيس أول شركة له بالصين في غضون ٦ أشهر فقط من قدومه إليها، نظرا لما تزخر به البلاد من فرص تجارية استطاع أن يقتنصها بما لديه من خبرة في الأعمال التجارية وخصوصا في صناعة الملابس. وقتها؛ كانت مدينة شيشي بمقاطعة فوجيان في جنوب شرقي الصين قرية تابعة لمدينة جينجيانغ التي تعتبر من أكبر مراكز صناعة الملابس والأحذية في الصين، لافتا إلى أنها ورغم صغرها، كانت واعدة ومليئة بالفرص الناضجة، خاصة وأنها كانت وجهة لعدد كبير من التجار من كافة الأقطار لشراء البضائع التي تتناسب مع أسواقهم.

وتابع عقلان أنه كان شاهدا على إخلاص المسؤولين المحليين في أدائهم لأدوارهم التي أوكلت إليهم من الحكومات المركزية والمحلية ليحققوا طفرة جذرية على مستوى البنية التحتية والخدمات التجارية ورفع مستوى معيشة المواطنين في أقل من ١٥ عاما.

وأضاف التاجر اليمني أن فترة ١٥ عاما تعد قصيرة للغاية في عمر الدول والمدن، إلا أن النمو المدفوع بالإصرار على تحقيق المستحيل كان له العامل الرئيسي والمكون الأساسي لنقل قرية صغيرة لم يكن بها مستشفى وقتها، إلى واحدة من المدن التي نتباهى بإقامتنا بها.

وقال عقلان: " أقمنا في هذا البلد لسنوات طويلة ونعيش في أمان، وهذه اكبر نعمة ، وكأنه بلدك."

 

الوعري: "الصين منحتني العلم والرزق... أشعر أنني صيني"

قبل أكثر من 20 سنة، أخذ الفلسطيني علي الوعري قرارا مهما في حياته، حيث وصل إلى الصين للتعلم. ولكن والده عارضه بشدة في بادئ الأمر، ولم يتكلم معه ليومين متتاليين. وفي اليوم الثالث، وافق على القرار لأنه عرف من زملائه بأن الصين دولة جيدة تتمتع بموارد ثقافية وتعليمية ممتازة. فوافق شرط أن يتعلم ابنه الطب.

وصل الوعري الشاب العاصمة الصينية بكين عام 1995 لدراسة اللغة الصينية أولا. وفي العام التالي بدأ دراسة الطب في جامعة تونغجي بمدينة ووهان حاضرة مقاطعة هوبي بوسط الصين.

كان ينوي الدراسة في الصين، ثم العودة إلى بلاده ليعمل كطبيب، ولكنه بعد التخرج، لاحظ مستوى التطور الذي تتميز به الصين في وقت لا تزال بلاده تعاني من حالة الحرب.

وفي عملية الدراسة، وجد شريكة حياته فبادر للزواج من زميلته الصينية. وفي العام 2012، استقر الوعري في مدينة ووهان التي تعد مسقط رأس زوجته وفتح صفحة جديدة لحياته المهنية هنالك.

وبعد سنوات من تشغيل مطعم خاص في ووهان، شرع الوعري في إعادة التخطيط المهني، فقرر العمل في قطاع الدواء للاستفادة من اختصاصه بشكل أكبر.

والآن يتولى الوعري منصبي مساعد مدير عام شركة توبجيني البيولوجية، ونائب مدير عام فرع ووهان للشركة.

وحول ذلك قال الوعري إن الطب الصيني يشهد تطورا سريعا وجيدا، وهناك تفاؤل كبير تجاه مستقبل الدواء الصيني في البلدان العربية، مشيرا إلى أن مبادرة الحزام والطريق ستساهم في زيادة تواجد الدواء الصيني في السوق العربي.

وأعرب الوعري عن سعادته بالحياة والعمل في الصين قائلا: " الصين منحتني العلم والزوجة والرزق، وجعلتني أتقدم في حياتي، لم أكن نفس الشخص بدون الصين، اشعر بالانتماء الى هنا. "

وتابع " أعيش هنا منذ 24 عاما، وأشعر أنني صيني."

 

العنزي: "حققت أول مكسب تجاري ضخم في حياتي في الصين"

وصل عمر العنزي من السعودية إلى بكين عام 2009 للدراسة، ووافق ذلك الذكرى الستين لتأسيس جمهورية الصين الشعبية. لاحظ بأم عينيه ما تتمتع الصين به من تسامح وانسجام وحيوية في خضم الأنشطة الاحتفالية عندئذ.

فبعد تخرجه من جامعة بكين جياوتونغ عام 2013، تخلى العنزي عن فرصة مواصلة الدراسة في الولايات المتحدة، وقرر البقاء في الصين حيث بدأ دراسة علم المالية في جامعة جنوب الصين للمعلمين بمدينة قوانغتشو حاضرة مقاطعة قوانغدونغ بجنوبي الصين.

وفي فترة الدراسة الجامعية، نجح العنزي في تحقيق أول مكسب تجاري كبير في حياته، إذ نجح في بيع لوحة إعلانية وأعطى الربح لأخيه الصغير كهدية زواج. الأمر زاد من تصميمه على ريادة الأعمال في الصين.

وبتخرجه من الجامعة عام 2016، انضم العنزي إلى شركة "دوام" للتجارة الدولية لإبن عمه، والآن يعمل الرئيس التنفيذي للشركة.

وخلال سنوات قليلة، شهدت أعمال الشركة تطورا سريعا حيث قال:" عندما بدأنا كنا ثلاثة أو أربعة فقط، وكانت رقعة الشركة صغيرة جدا، أما الآن؛ يوجد نحو 25 موظفا، ومساحة الشركة أكثر من 300 متر مربع."

تقوم شركة "دوام" ببيع الاحتياجات الرياضية رئيسيا الى السعودية ودول أخرى، ويشمل مجال عملها الملابس والأحذية وساعات التنبيه. ويشعر العنزي بفخر كبير كلما يرى عبر قنوات التلفزيون السعودية معجبي كرة القدم المحليين يرتدون الملابس المستوردة عبر شركة "دوام".

وأعرب العنزي عن تفاؤله تجاه مستقبل العلاقات الاقتصادية والتجارية بين السعودية والصين بفضل الترابط المعزز بين رؤية السعودية 2030، ومبادرة الحزام والطريق.

ومع تزايد حجم الصادرات الصينية إلى السعودية، تفكر شركة "دوام" في استيراد منتجات سعودية محلية إلى الصين مثل التمور وروبيان البحر لزيادة معرفة الصينيين عن السعودية.

 

ناجح: ترابط الحلم الشخصي مع الحلم الصيني

تخرج محمد ناجح من كلية التربية الرياضية في القاهرة عام 2000، ثم سافر الى العاصمة السعودية الرياض في عام 2004 حيث اشتغل هناك لمدة 9 سنين كمدرب لكرة المضرب (التنس)، ودرب لاعبا اسمه مايكل مو كان يبلغ من العمر حوالي 10 سنين.

وقال ناجح: " لقد عملت معه فترة طويلة حتى أصبح من أحسن 5 لاعبي كرة مضرب في العالم تحت 14 سنة، قبل أن يسافر بعدها إلى الولايات المتحدة ليصبح لاعبا محترفا، ويحل في وصافة الترتيب العالمي تحت 18 سنة."

وفي ذروته المهنية، أنهى ناجح كل ارتباطاته في السعودية، ليبدأ حياة جديدة في الصين متطلعا فيها إلى مستقبل أفضل في أكبر بلد من حيث عدد السكان، والبلد الرياضي الذي يشهد إقبالاً متزايداً من شبابه على تعلم كرة المضرب.

وأضفى ناجح تقدما جديدا على سجل حياته المهنية في بكين، حيث بدأ يشتغل لوحده مع ستة لاعبين فقط كانوا يتلقون التدريبات على يديه. لكنهم أصبحوا أحسن لاعبين في بكين لفئتي تحت 12 سنة وتحت 10 سنين، وحصدوا جميع ألقاب بطولات بكين للاعبين في سنهم، قبل أن ينضموا بعد سنة لمنتخب بكين.

في 2016 قرر ناجح فتح شركة رياضية، وبدأ العمل للتجهيز لفتح مدرسة لكرة المضرب لجميع الفئات العمرية. وفي هذا الصدد، قال: " كنت أرغب بتكوين قاعدة كبيرة من فئة الناشئين لأساعدهم على تحقيق أحلامهم في أن يكونوا لاعبين محترفين، ويشاركوا باسم الصين في البطولات الآسيوية والدولية. "

 

خالقي: اطلبوا العلم والحب ولو في الصين

تشغف هند خالقي، البالغة من العمر 34 سنة، بدراسة اللغات، إذ تعلمت الفرنسية والإنكليزية والألمانية. بيد أن اللغة الصينية جلبت لها تجربة فريدة، حيث يكمن في هذه اللغة العريقة تاريخ خاص وثقافة مميزة.

فبعد فترة من تعلم اللغة الصينية في تونس، وصلت خالقي إلى الصين للدراسة والتحضير لنيل درجة الماجستير في علم اللغة بجامعة بكين للغة والثقافة عام 2009، وبعد الانتهاء من ذلك أكملت دراسة الدكتوراه.

والآن تعمل خالقي معلمة للغة العربية والثقافة الإسلامية في جامعة شانغهاي للدراسات الأجنبية التي لطالما كانت ترغب في الانضمام إليها.

ففي بداية الدراسة، كان لدى الشابة التونسية قلق كبير حيث خشيت ألا يحظى أداؤها بإعجاب الطلبة الصينيين، نظراً لأن فرق العمر بينهم غير كبير. ولكن سرعان ما نجحت في استنباط طريق تعليمي لاقي إقبالا من الطلبة.

وتهتم خالقي بالأبحاث اللغوية التي تركز على التخطيط اللغوي والسياسات اللغوية. ولغاية الآن، نشرت أوراقا بحثية ذات صلة في كل من السعودية والعراق والصين.

وفي الوقت الذي جنت خالقي فيه ثمارا أكاديمية، حظيت بالحب أيضا حيث تعرفت على شاب صيني أثناء تجولها في حديقة قريبة من الجامعة، ثم تزوجت معه بعد سنتين من اللقاء الأول بينهما.

 

ياغي: السعي وراء الحلم على طريق الحرير

وصل شادي ياغي من سورية إلى الصين قبل 13 سنة، وحقق بذلك حلمه الأول حيث كان قد شاهد برنامجا تلفزيونيا في سورية قبل 20 سنة يحمل عنوان " طريق الحرير "، تناول التجارة الخارجية والمشاريع والموضوعات الوافرة للصين. ومنذ ذلك الوقت حلم أن يصل إلى الصين يوما ما.

وبمعزل عن العرب الآخرين، اختار ياغي منذ البداية الإقامة في مدينة هاربين حاضرة مقاطعة هيلونغجيانغ الواقعة بأقصى شمال شرقي الصين كمكان للعمل والعيش، نظراً لعدم وجود مطعم عربي فيها إلا مطعمه.

واليوم لا يريد ياغي وزوجته مغادرة هاربين ليس بسبب العمل فقط، بل لأن أصدقاءهم يمكثون هنا أيضا.

وقال ياغي إنه اعتاد على الحياة في هاربين وصار يندمج مع الصينيين بشكل أكبر. فرغم جو هاربين قارس البرودة في الشتاء، حيثما عادة ما تكون درجة الحرارة الشتوية 30 درجة تحت الصفر، إلا أنه يشعر بالدفء والحفاوة من أهالي المدينة الذين يحبون مساعدة الآخرين بدون مقابل.

لم يكتمل حلم ياغي بعد، إذ يتمنى أن يكون أفراد عائلته معه في الصين، لكن الظروف صعبة قليلاً في الفترة الحالية حسبما قال ياغي.

لم يرجع ياغي الى سورية منذ نحو 10 سنوات بسبب ما تشهده بلاده من ظروف صعبة جراء الحرب. لكنه يخطط لزيارة عائلته هناك خلال فترة قريبة.

 

رواينية: المستقبل للصين... وأنوي البقاء فيها

ينحدر علاء رواينية من أسرة جزائرية متخصصة في الهندسة المعمارية، فوالده وأخوه مهندسان معماريان. وبدوره؛ سار الشاب على نهج عائلته ودرس الهندسة المعمارية في الجامعة بالجزائر.

وبعد سنة من تعلم اللغة الصينية في جامعة بمنطقة نينغشيا الذاتية الحكم لقومية هوي بشمالي غربي الصين، انضم رواينية إلى شركة للإبداع الثقافي في مدينة يينتشوان حاضرة نينغشيا عام 2016.

تقع الشركة في مركز الإبداع في يينتشوان، الذي تحتشد فيه أفضل الموارد الإبداعية للمدينة، ما يتيح فرصة ضخمة لعمل رواينية.

وقال ماو كانغ يو نائب مدير عام الشركة إن نينغشيا كباقي المناطق الغربية الصينية الأخرى، ينقصها الأكفاء من ذوي الرؤية الدولية، ولذا تهتم الشركة بالاستفادة من الأفكار الحديثة للشاب الجزائري.

وخلال فترة وجيزة، حاز رواينية إعجاب زبائن الشركة بأفكاره الرائعة وتصاميمه التي تتحلى بالخصائص الثقافية الصينية، ما يعزز ثقته بإطلاق مزيد من أعمال التصميم ثلاثي الأبعاد.

وينوي رواينية البقاء في الصين بالنظر لحرص الحكومة الصينية على خلق ظروف تخص ريادة الأعمال والتوظيف للشباب، حيث قال:" إن المستقبل للصين."