نيروز قرموط تحقق أفضل مبيعات في مهرجان إدنبرة الدولي للكتاب

رام الله - الحياة الثقافية- بعد أن وصفت ملكة الرواية البوليسية الاسكتلندية "فال ماكديرميد" والتي بيعت من رواياتها ملايين النسخ الكاتبة الفلسطينية نيروز بالشجاعة والتميز، كان للكاتبة الشهيرة "آلي سميث " أن عبرت عن هول صدمتها بأسلوب نيروز للكتابة حتى أنها التقطت أنفاسها لعدة مرات في رحلتها للقطار، حتى انتبه المسافرون لها بينما كانت تقرأ المجموعة القصصية " عباءة بحر وقصص أخرى" حياة خفية تحتاج إلى صدمة الاعتراف هكذا تقول سميث، وأنها لطالما تنبأت بوجود مثل هذا الصوت المختلف في العالم، عندما سألتها نيروز بماذا تنصحيني بالكتابة، كانت قد أجابتها " لا شيء، لا تحتاجين شيئا، ما عليكي إلا أن تستمري."

هذا وقد حقق كتاب نيروز قرموط " عباءة بحر وقصص أخرى" من بين العديد من الكتب العالمية أفضل مبيعات في مهرجان إدنبرة الدولي للكتاب، بعد أن شاركت الكاتبة الفلسطينية بعدد من الفعاليات على التوالي، لتتحدث عن معنى الوطن للاجئين والمهاجرين إلى جانب كل من المغنية وكاتبة الأغاني كارين بولورات والمؤلفة الاسكتلندية آلي سميث والروائية الشهيرة فال ماكديرميد، ومن خلال مشاركتها أيضا بقراءة إحدى مقالات الدكتور عاطف أبو سيف في صحيفة النيويورك تايمز عن أثر الاحتلال وآثار حرب عام 2014، وذلك في سلسة الكتاب المسجونين لمنظمة العفو الدولية عن غزة كأكبر سجن عالمي، وكيف أدى احتلال اسرائيل للضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية ولقطاع غزة إلى انتهاكات منهجية لحقوق الانسان للفلسطينيين الذين يعيشون هناك، وكيف تنعكس قراءات اليوم على الحياة في المناطق المحتلة، إضافة إلى مشاركتها بقراءة قصة من كتابها للنساء والأطفال من العائلات السورية والكردية، وكان الختام في المساء للحديث عن كتابها والنساء في غزة وفلسطين، وكانت قد نالت إعجاب الجمهور في طريقتها لعرض أفكارها ونقاشها حول الأدب والإنسان والقضية الفلسطينية.

يجدر الإشارة أن المجموعة القصصية عباءة بحر وقصص أخرى الصادرة عن دار النشر البريطانية  كوما برس كانت قد حازت على جائزة القلم البريطاني للترجمة عام 2017.

لم تتوانى نيروز في الحديث عن الإنسان الفلسطيني قبل أي شيء آخر، وبمعزل عن أي صورة أخرى تعلق به مما تُردِد قصص الإعلام وحكاياته.

الناقد الأدبي اليوناني يانيس كونتوس يقول " صوت أدبي واثق وجريء من قطاع غزة." ويكمل " لقد طال انتظاري لهذا الكتاب، بعد أن تم رفض طلب الفيزا البريطانية لنيروز لأكثر من مرة العام الماضي لحضور مهرجان إدنبرة الدولي للكتاب؛ " من الأخبار الأكثر شيوعا في صحيفة الجارديان البريطانية العام الماضي"، ومنه كان قد أجّل إصدار مجموعتها القصصية، أنه فعلا كتاب يستحق كل هذا الانتظار، هذا النضج في الأسلوب والسرد غير المألوف، وتلك العاطفة، روح الدعابة والتي تحدد نغمة فريدة، لقد أثبتت عباءة البحر أن شكل القصة القصيرة مازال على قيد الحياة، تلك المجموعة تتأرجح ما بين مختلف أعمار الفلسطينيين، عليها أن تصل إلى أوسع جمهور على المستوى العالمي، الأمر الأكثر بروزا جرأة نيروز على معالجة قضايا مثيرة للجدل ومعقدة وحساسة مثل القتال بين الفصائل السياسية الفلسطينية، وعقلية الانتحاري في " حليبنا ". فعلا إنها تمتلك نظرة عميقة ومتعددة الأبعاد للمجتمع الفلسطيني المعاصر. بالإضافة إلى التركيز على النساء في مختلف أعمارهم.

الناقد الأدبي البريطاني "ويل هارز" يقول " قد تكون عباءة بحر قصصا، لكنها تقربنا من حياة الفلسطينيين الحقيقية أكثر من أي وقت مضى في أي تقرير إخباري أو مجموعة من البيانات." ويستطرد قائلا " القصة الافتتاحية للكتاب " عباءة البحر" عبارة عن استكشاف جذري للحياة العادية في غزة، حيث كانت مليئة بالمخاوف النسوية، وتقدم لنا من خلال عدسة من السريالية الغنائية، السريالية هنا ليست خارجة عن كونها مجرد مراقبة لحركة الحياة، لدينا انقسامات بين الأجيال، صراعات نسوية، وعائلية وخلافات رومانسية تماما مثل الحياة في كل ركن من أركان العالم. هذا المنظر البانورامي لأهالي غزة متصدع بينما يتم ابتلاع بطلتنا من عباءة البحر." ويبدي وجهة نظره من جهة أخرى " قرموط صحافية وناشطة في حقوق المرأة، نشأت في مخيم للاجئين الفلسطينيين، لقد عاشت حياة الفلسطينيين بكل طريقة تقريبا، وهنا في عباءة بحر تنقل معرفتها وتجاربها العاطفية، ورؤيتها حول مجموعة من القصص الانسانية التي على الرغم من كونها سياسية بلا شك، لكنها أكثر اهتماما بالحياة الأسرية والطفولة, رغم أن هذه هي حياة الفلسطينيين، فإن الحياة الأسرية والطفولة ترتبط ارتباطا وثيقا بالسياسة. يكمل " يروي رجل عجوز حكايات عن تاريخ البلد وحروبه، وعن روايات أصدقائه منذ زمن طويل، شابان طائشان على عجلة بخارية مسرعين محملين بموسيقى صاخبة، يسابقون الرياح مندفعين بعكس هبوبها، يتزينان بقصات شعر كمن يحمل برج إيفل على رأسه في وسط التاريخ." يكمل من هنا لدينا عشر قصص أخرى، عن قصتي المفضلة " قلم ودفتر"  قصة ثلاثة أشقاء، الصغير والوسط والكبير، الأكبر يقود الاثنين الآخرين، بزيهم المدرسي، عبر المدينة في عربة يجرها حمار، قام المشاة والسائقون وحتى الشرطة بمطاردتهم بسبب وضعهم غير الآمن بين وسائل النقل الأخرى، ذلك قبل وصولهم إلى منظر طبيعي من الأنقاض. يقضون الصباح في التقاط الحجارة ومراكمتها في عربة الحمار، كومة مختلفة الحجم لكل صبي، يوصف عملهم بالتفصيل: الإيقاعي والمنطقي، لكن أيضا اللعوب والعاطفي. بعد مرور يوم كامل من العمل، يأخذون الحجارة التي تم جمعها إلى تاجر، ليبادلوها مقابل أن يدفع لهم. في المنزل؛ والدهم مريض، وأمهم تستقبلهم جميعا بعناق دافئ، يعطيها الولد الاكبر معظم الأموال التي جنوها، ويعطي العملات النقدية المتبقية إلى إخوته الأصغر سنا، ويطلب منهم استخدامها في شراء دفتر وقلم حتى يتعلموا الكتابة، هذه القصة غارقة، لتمرير القارئ من خلال غسيل السيارات من العواطف بقوة وبسرعة حادة، لدرجة أنه، كما ترون، لم أستطع مقاومة سرد كل شيء."

يمكنني أن أستمر في سرد جميع القصص في عباءة البحر بنفس الطريقة، من المرأة التي تروي صفوف طفولتها النسوية الغاضبة مع معلمها للرياضيات في " الضفيرة الطويلة" إلى " قمر السمرلاند" قصة رحلة في طريق خطيرة، قام بها زوجين شابين كانا في يوم من الأيام بريئين في الحب ولكنهما من ذلك الحين قد نميا في سياساتهما وأخلاقهما، هذه الحكاية غنية بالنقاش، إنهم يكشفون لنا الطبيعة المعقدة للإيمان والتقاليد في الإسلام، والتي غالبا ما يتم تجاهلها من قبل أولئك منا خارج الايمان. هذا الدرس المتواضع والمستنير، الذي تم شرحه بأكثر وضوح في الضفيرة الطويلة المذكورة أعلاه، سيكون بمثابة رؤية قيمة للإسلام لأي شخص يعتقد أن الإيمان موحد وجامد، علاوة على ذلك، يسلط الضوء على أهمية التعقيدات والأخطار المتمثلة في استكشاف حقوق المرأة والقتال من أجلها داخل الإسلام وفي الشرق الأوسط ككل.

مما يدفعني للاقتباس من قصة نيروز " حليبنا ":

" العصافير تقبّل الشبابيك العلوية، وتنفض بأجنحتها غبار الليل عن زجاجها، وكلما ارتطمت بها أكثر أحدثت ذلك الصوت الهش والصغير، لربما محاولة طائشة منها لتهتز تلك السرائر في الغرف الساكنة، وما أن أزفت الطبيعة ببدء معزوفتها، حتى تزقزق للعاشقين تلك الزقازيق، لتيقظ كل الغافيين على رائحة بخور آسيوي، بعد أن رصف بدخانه ممرات الفندق، وغطى الجدران بعتق رصين؛ ينتظر دق أجراس كنيسة دور ميتسون بترانيم صباحية؛ تؤنس الوسادات الغافية بروحانية تشتاق قلوب الراجفين إليها، آذان مسجد الأقصى يمتزج وترانيم الكنيسة، وتراتيل مزامير لكنس نائم فوق شمعدان محبة مازالت خائفة، في لحن وجودي يستيقظ له كل غاف بالفراش."

لذا استنتج قائلا " لا يتم منحنا في كثير من الأحيان هدية مثل عباءة البحر، ونحن سنبلي بلاء حسنا لتثمينها، والتعلم منها الآن وهي لدينا، اذا تحدثنا كمواطن بريطاني في أعقاب كفاح المؤلف الطويل من أجل الحصول على تأشيرة سفر، فمن المهم للغاية على أقل تقدير، الوصول إلى القصص التي تجعلنا نتوقف مؤقتا للنظر في مكاننا في العالم السياسي، هذه قصص عن المعارك اليومية الحقيقية للغاية من أجل حقوق المرأة، والمطالبة بالمساءلة والبحث عن الصدق والوضوح."

وعن " نساء في الترجمة " قيل إنها " الانسانية في وجه الفظائع" نيروز تتحدث ببساطة عن منزلها وحياتها وسياقها السياسي، ولدت قرموط في مخيم للاجئين الفلسطينيين في سوريا وعادت إلى غزة عام 1994مما جعلها لاجئة مرة أخرى ولكن في بلدها، عباءة البحر تقدم نظرة ثاقبة للحياة في غزة لكن من دون ميلودراما أو مبالغة، هل نفهم حقا الحياة على الأرض للفلسطينيين، ما نحتاج إليه في كثير من الأحيان بقدر الحقائق والتفاصيل السياسية الصعبة هو الروابط الحقيقية  لأولئك الأبرياء الذين يعانون أكثر من غيرهم، نناقش هذه المواضيع مع نسيان أنهم أشخاص، وليسوا قطع شطرنج، من خلال عباءة البحر هذه القصص الصادقة، تقدم نيروز هذه العلاقة، إنها تسمح لنا باستبدال هذه البيادق بأشخاص. تفتح الباب بيننا وبين فلسطين، وتمد يدها وتقول " تعالي، تعال وانظر إلى حياتنا بنفسك." تظهر خلفيتها الصحفية من خلال كتابتها، والأهم لا يوجد شيء حزبي، شخصيات نيروز لا تحاول أن تبقى في إطار الضحية، في " الزنابق البيضاء" الأقدار هي متشابكة مع الذكاء والرحمة، في أكثر من قصة هنالك فتاة تكافح من أجل الانتقال إلى الأنوثة، في " رضاعة ثدي" تريد الأم لابنتها شيئا أفضل من أن تتورط في التقاليد التي تربوا عليها حتى تصل إلى نقطة لا يمكنها الفرار منها." كتابة نيروز تحتوي على الحكمة والوضوح، و ثراء التعبير المثير والجذاب. تلك القصص صادمة في صراحة الحياة اليومية وعدم وجود الميلودراما لوصف الفظائع التي أصبحت شائعة. تقول مترجمة نيروز بيروين ريتشارد " لا يوجد أي عظات أو تعليقات تثقيفية مفرطة، شخصيات قرموط تدور حول حياتهم في واحدة من أكثر المناطق تقلبا على وجه الأرض. تلك المقاربة الجديدة للحب الممنوع في " خلخال ميوماس" ،أمل فتاة وشاب من الجانبين المتقابلين للحدود أن يكونا معا، أما عن ذلك الحوار بين شابة وشابة في " قمر السمرلاند" الذي انطلق أحدهما نحو الدين والآخر نحو التحرر، وحاولا تذكر ما أحبوا اتجاه بعضهما البعض، في قصة " قلم ودفتر" يعمل الأولاد الصغار للتقدم في الحياة، عن نفسي لقد تعلمت الكثير من عباءة البحر، لكنني لم أشعر بتعليمات، إن هذا الكتاب فعلا ضروري. في قصة " عنب أسود"؛ " متى سيفهمون؟" هذا هو التحدي التي وضعته قرموط بلطف، يوجد الكثير من الإرهاب والعنف والموت، ولكن إن كان شيء واحد يحدد هذه المجموعة حقا، فهو " الانسانية". في ظهور نيروز الأخير في مهرجان إدنبرة قالت " إن المعاناة تجربة جماعية، أنا أتمرد إذا نحن موجودون." وأضافت "أعتقد أن الإبداع هو ثورة، والهوية الفلسطينية تحتاج إلى ثورة." تقول ريتشارد كما يتشارك معها كثير من النقاد " عباءة البحر هي في الواقع ثورة هادئة وأحثكم على أن تكونوا جزءا منها بقراءة هذه القصص ومشاركتها."

في مهرجان إدنبرة تقول نيروز " ما أريده هو تقديم نظرة متوازنة للفلسطينيين في هذا العصر." وأردفت قائلة " حاولت العمل على كتاب يبتعد عن وجهة النظر التي تنطلق فقط من النكبة."، "وأن أقدم الكتاب كانسان وفنان، لا أتحدث عن البطولات والأبطال، وأعترف ببعض العيوب والتي ستكون بداية النصر، وعلى الأكثر ستدل على حقيقة وجودنا."

وقالت مازحة باللغة الانجليزية بينما تخاطب الروائية آل ماكديرميد " تعالي إلى غزة، سوف تكتبي أكثر."

ودعمت نيروز في قضية الملاجئ للاسكتلنديين " أنتم دولة قوية والناس دافئون هنا، أتمنى أن لا تحتاجوا إلى ملاجئ في المستقبل، لا ينبغي أن يكون أحدا في الشارع في هذا البرد، يجب أن يكون لكل شخص في اسكتلندا منزل، وكفلسطيني أعرف ما تعنيه أن تكون بلا منزل."

يجدر الإشارة إلى أن نيروز قرموط ستتحدث حول كتابها " عباءة البحر وقصص أخرى "، من خلال مشاركتها بمهرجان كورك الدولي للقصة القصيرة في ايرلندا نهاية الشهر الحالي سبتمبر.