ذلك الاشتياق

رانية فهد

عالم القراءة وعبد الحليم وموعود أخذني، بل أخذ قلمي إلى تلك الكلمات... إلى ذلك المكان الذي بوسع المرء فيه أنْ يكوّن نفسه... أن يشبه ظاهره باطنه... وأن ينسجم مع حقيقته... إلى تلك الشّجرة السّامقة... بل ذلك الاشتياق لأشياء تطاردها فتهزّك... وأخرى تمسك بتلابيب ذاكرتك لأناس فارقوا هذه الدّنيا ولكنّهم لم يفارقوا أرواحنا وكانوا يصنعون عيدنا... نعم، لقد اشتقت لجدتي الغالية لحكمها وكلماتها الحنونة التي تراودني دائماً وأبداً في مسيرة حياتي، وفي  خضم ظلم هذا العالم وظلامه... وأردفت قائلة: في مسيرة حياتنا لا بدّ من الاشتياق... أجل لا بدّ من الاشتياق لتلك اللمسات الحنونة... لتلك الأوراق المتطايرة على مكتبي ابتهاجاً بعودة الحبّ... لتلك الابتسامات الصّافية التي تأخذني بعيداً بعيداً لأجمع شتات نفسي وأشرع في الكتابة من جديد، بل لأخلو بنفسي في آخر النّهار في ظلّ زمنٍ أصبحنا فيه لا نعرف الفصول ولا نفرّق بينها... فقد فقدنا البصيرة قبل البصر... نعم اشتقت إلى تلك اللحظات التي أطلق فيها العنان  لفضاءات المخيّلة في ظلّ الغياب القسريّ  لكلّ أشكال الفرح... إلى زمن الصّداقات الجميلة...  إلى تلك اللمة التي نطرب فيها ونحن نستمع وديع الصّافي ومعزوفته: دار يا دار راحوا وين حبابيب الدّار ، بل  إلى ذلك الضّجيج والأصوات المكتظة ...   اشتقت لذلك النسيان لأنّي كبرت ونسيت أن أنسى... اشتقت لذلك الزّمن الجميل في زمن آخر الحلال فيه  صار حراماً، والمباح صار منكراً، والجميل صار قبيحاً،   ... لذلك الحبّ الذي يسمو في قلب اللحظة، والذي بتنا في أمسّ الحاجة إليه كلمّا طرق الباب الأسى... اشتقت لنفسي المبعثرة التّائهة... لألملمها بل لأهرب بمشاعري في تلك الرّوايات... لأسافر في لغتي بولع سّرمديّ... لترافقني كتبي... تلك ذاكرة نأبى أن نتركها وراءنا... فلتحرسني أرواح الشّعراء والفلاسفة... لتسيل كلماتي في جداول تغسل الرّوح في أعمق جرحٍ من جراحات الانطفاء... بل لأصنع صداقات مع أبطال الرّوايات بكلماتهم التي تأتيني كوميض البرق... اشتقت لأن أكون أنا... لأصنع ضوئي من عتمتي وحضوري من غيابي... اشتقت إلى تلك الأشياء الجميلة التي رحلت دفعة واحدة... اشتقت لأن ينساني الوقت لبعض الوقت... لأكتب الصّمت وأذوب فيه... أجل اشتقت واشتقت... 
رانية فهد