الشتات يبعثر الإبداع

تغريدة الصباح - حنان باكير

ضياع الوطن يبعثر الأبناء كأوراق خريفية. تتناقلهم المنافي القريبة والبعيدة. وتتبعثر معهم أحلامهم وطاقاتهم الإبداعية، التي تتوزع بين التهميش والنسيان، وبين الاستلاب. هذا هو حال الفلسطيني، على الأقل في المجتمعات المضيفة. ومع تنامي موجة العنصرية ضد الفلسطيني، وما تسببه من قهر وغضب، وجدت نفسي أنبش سير مبدعينا، الذين تبعثرت ابداعاتهم، كما تبعثر شعبهم! فمن نبغ منهم، في التيه، تبنته واحتضنته البلاد التي لجأ اليها ونسبته اليها، متجاهلة هويته الفلسطينية. فهناك أسماء كبيرة، لا يعرف الكثيرون أنها فلسطينية. 
كما نجهل أسماء العديد من مبدعينا، رغم حضورهم الطاغي والمؤثر على يوميات حياتنا، وبسبب اغتراب الأجيال الجديدة، عن الإسهامات الحضارية للإنسان الفلسطيني أينما وجد. كتب المنصفون من الكتاب، عن ذلك الدور الحضاري العمراني، لكن ماذا عن الموسيقى والفنون؟ تحدثت مع عدد من المعارف، عن وجود سيمفونيات عربية، معظمهم قال، هذا فن غربي لا علاقة لنا به! وسألت آخرين عن شعراء وملحني الأناشيد الوطنية التي بلورت الهوية الفلسطينية، الإجابات كانت مؤسفة!
تذكرت المايسترو العالمي المقدسي سلفادور عرنيطة، المولود في القدس عام 1914، اشتهر في الغرب. ألف السيمفونيات العالمية، ولحّن مغناة "سجّل أنا عربي" لمحمود درويش. بعد النكبة، لجأ الى بيروت فعاش فيها، مواصلا مؤلفاته الموسيقية، فأثرى الحركة الفنية، وشغل منصب رئيس قسم الموسيقى في الجامعة الأميركية. وتتلمذ على يديه العديد من الموسيقيين، منهم المايسترو المقدسي سليم سحاب، والملحن إحسان المنذر. يوصف سلفادور عرنيطة بأنه المؤسس لمدرسة الموسيقى القومية العربية، واعتبر " باخ" العرب. كرّمه الرئيس محمود عباس، وتوفي في العام 1984.
وحين نذكر المايسترو سلفادور، لا بد من ذكر زوجته المقدسية الفنانة يسرى جوهرية عرنيطة، إبنة الفنان واصف جوهرية، والتي انضمت طفلة الى فرقة موسيقى الإذاعة الفلسطينية في الأربعينيات. قامت بتدريس الموسيقى في الجامعة الأميركية.. ولها محاضرات في الموسيقى، ومن مؤلفاتها التوثيقية كتاب " الفنون الشعبية في فلسطين ".. 
مروان ووديعة جرار، ومنبتهما مدينة صفد. وديعة جرار، خريجة جامعة كمبريدج، ويطول بنا الحديث، لو عددنا تنوع اختصاصاتها، ومشاركاتها العالمية.. اعتبرها الإعلام " أستاذة الرقص الشعبي في لبنان بلا منازع، ولولاها، ولولا زوجها مروان لما كان فيه اليوم رقص شعبي بالمعنى الصحيح". اشتركا في مهرجانات بعلبك، وقدما حفلة، في افتتاح المدينة الرياضية عام 1957. ولا تذكر فرقة الأنوار الشعبية بدونهما. نالا أوسمة من الأمم المتحدة، ونيويورك ووسام الاستحقاق اللبناني من رتبة فارس، والميدالية البرونزية من باريس.. حاولتُ منذ سنوات طويلة، التواصل مع ابنهما غسان، لتدوين سيرة والديه، ولم أفلح، والسبب تبعثرنا في أماكن شتى.
أما عن دور الإعلاميين الفلسطينيين، في تأسيس وتطوير الإذاعات والتلفزيونات العربية، واكتشاف المواهب العربية، وتقديم الدعم المادي لها، فقد دونته في مذكرات كامل قسطندي، في خمس حلقات، ونشرت في جريدة الخليج الإماراتية قبل عشرين سنة. وحين اتفقت مع صبري الشريف، لتدوين تجربته في إذاعة الشرق الأدنى وما بعدها.. سبقني الموت اليه! ولم أنجح بالتواصل مع ابنه منجد صبري الشريف.
منذ ستينيات القرن الماضي، انتشينا بأناشيد الثورة الفلسطينية وما زلنا، نحفظها ونرددها، وأمتعتنا الفرق الشعبية، بأغانيها التراثية وأناشيدها الثورية المرافقة للدبكات الفلكلورية، مثل فرقة العاشقين والأرض.. لكن قلة من الناس عرفت أسماء شعراء وملحني القصائد والأناشيد، التي رسمت أحلامنا، وترجمت مشاعرنا..
أول نشيد للثورة الفلسطينية،" بسم الله، بسم الفتح، بسم الثورة الشعبية".. و"جابوا الشهيد جابوه".. التي أبكت كل بيت فلسطيني. النشيد الذي جسّد الهوية الفلسطينية، "إسمي عنواني عربي فلسطيني".."وجر المدفع.." أناشيد لملمت بعضا من هويتنا المبعثرة، وما زالت تطربنا، لكن قلة من يعرفون مؤلفها، الشاعر صلاح الدين الحسيني "أبو الصادق". 
الشاعر الفلسطيني سعيد المزين "أبو هشام"، ابن أسدود، والذي كتب النشيد الوطني الفلسطيني " فدائي"، وأنا يا أخي، عالرباعية، وكتب العديد من الملاحم الشعرية مثل " ملحمة طوباس" و" الكف والمخرز "..
ومن كبار الملحنين لتلك الأغاني الثورية، المايسترو حسين نازك، مواليد القدس عام 1942، أمدّ الله بعمره. ويعتبر من كبار الملحنين الذين أثروا المكتبة الفنية. أسس فرقة العاشقين، ولحن الكثير من أغانيها. تتلمذ على يد المايسترو العالمي يوسف خاشو، ولن ننسى ايضا الملحن المبدع مهدي سردانه الذي لحن "طل سلاحي من جراحي".
للقدس روح ملائكية تبث أنفاسا روحانية في أبنائها، أو كيف نفهم هذا الكم من الموسيقيين من أبنائها الذين وصلوا الى العالمية، وفرضوا وجودهم! المايسترو يوسف خاشو. ولد في القدس عام 1927. سافر الى ايطاليا لاستكمال دراسته الموسيقية، ثم عاد الى فلسطين. وبعد النكبة غادر الى الأردن ثم استقر في حلب. إليه يعود تأسيس أول أوكسترا، وصاغ أكثر من 14 سيمفونية. توفي في عمان سنة 1997..
أفكر في داخلي، الى أن يعود الوطن الى أحضان أبنائه، كيف يمكننا تعميم ثقافتنا الفنية، بين العامة ولا تبقى حبيسة الأرشيف التاريخي؟ وكيف نعمم سماع السيمفونيات الفلسطينية/العربية.. ربي هبني من لدنك عمرا جديدا.. أكفّر به عن تقصيري بتنفيذ مشاريع حلمت بها..