!ذوو الإعاقة في فلسطين: لسنا معاقين.. لكن هناك بيئة معيقة

2.1% نسبة المعاقين على مستوى الأراضي الفلسطينية وترتفع في أوساط الذكور مقارنة بالنساء

الاتحاد العام للمعاقين: هناك تقدم تجاه تطبيق حقوق ذوي الإعاقة لكنه بطيء

إعداد: عبير البرغوثي- الحياة الجديدة-  مرة أخرى نطرق موضوع المعاقين واحتياجاتهم ومدى استعدادنا كمؤسسات رسمية ومدنية وأهلية وغيرها للتجاوب الشامل مع متطلبات هذه الفئة في مختلف التجمعات الفلسطينية، نعيد الكتابة عن الموضوع ليس من باب التكرار، وإنما من باب التأكيد على أهميتة وأولويته على كافة المستويات، نعيد الكتابة لأهمية التوقف أمام مدى التجاوب ومدى التقدم المنجز على صعيد قيام المؤسسات والجهات المعنية بتوفير احتياجات هذه الفئة التي تصارع على كل الجبهات، فالأيام والاشهر والسنوات تمر، ويبقى التساؤل هل قامت المؤسسات بما ينبغي أن تقوم به؟ هل تحسنت ظروف الواقع لتحقيق المزيد من الانجازات على صعيد تذليل العقبات وتحقيق الادماج الفعال لذوي الاعاقة في حياتنا الفلسطينية؟ فالمطلوب منا- أفرادا ومؤسسات- هو تذليل الصعاب والتحديات أمام تلك الطاقات والهامات التي تواجه وتسجل نقاط الفوز في معركة متواصلة في بيئة وظروف معاندة وقاسية بكل المقاييس، فأبسط الخدمات قد لا تكون في متناول ذوي الاعاقة، فكم مؤسسة مهيئة لاستقبالهم وتحركهم وقضاء حاجاتهم بسهولة ويسر؟ نعيد التذكير لأنهم همم تدق جدران كل صمت وتكسر كل قيد، إنهم نخبة ممن يمتلكون الارادة لخلق الحياة التي يطمحون لها رغم قساوة الأيام، ولكن نفسهم طويل وصبرهم وتحملهم أكبر من أن يطاله اليأس، انه إيمان راسخ أن ارادة المعاق الفلسطيني لا تقل عن عمق وصلابة جبال فلسطين، لانها ارادة حياة، ارادة حب وإرادة طاقة ايجابية تعرف الفرح ولا تنحني للمستحيل.
كلمات بسيطة نستمدها من الطاقة والعطاء الايجابي والاقبال على معاركة الحياة بكل تفاصيلها، نستمدها من أبطال يصنعون في كل لحظة فرقاً في حياتهم وحياة مجتمعهم، ينقصهم الكثير، فحقهم علينا كبير أينما كنا عاملين، لأنهم يحتاجون للكثير لابراز طاقاتهم وتحقيق دورهم في اعلاء مساهماتهم في كافة مناحي الحياة، ورغم الظروف المجافية يستمرون بالعمل ولسان حالهم يعلمنا درسا بكل اللغات "ان اصلاح السفن يتم وهي تسير"، نعم لا تتوقف لان توقفها سيؤدي للغرق، يد تعمل على ما ينبغي انجازه واخرى تعمل على تهيئة الظروف ليكون الغد افضل من اليوم، وتكون البيئة حاضنة ومتفهمة على نحو افضل لاحتياجات ذوي الاعاقة، فالانتظار السلبي لا يقود الا للاهمال والابتعاد في غياهب النسيان، وهذا ما يحاربه كبرياء ذوي الاعاقة من بيننا.
وعليه نضع بين أيديكم موضوعا نحاول من خلاله تسليط الضوء ببيانات وأرقام حديثة وتصريحات من الاطراف صاحبة العلاقة على قضية ذوي الإعاقة في المجتمع الفلسطيني, للتأكيد على حقوقهم وتكثيف متابعة احتياجاتهم لعلنا نساعد ولو بقدر بسيط في حل جزء من  قضاياهم الأساسية التي يواجهونها, مؤكدين أن هذه المادة لم تكن الاولى ولن تكون الاخيرة في متابعة متطلبات هذه الفئة في المجتمع.


الاعاقة لدى الذكور أكثر ..وفي القطاع أوسع انتشارا منها في الضفة
تشير الإحصاءات الصادرة عن الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني ضمن "تقرير المرأة والرجل في فلسطين: قضايا واحصاءات 2018" الى أن نسبة الاعاقة تصل لنحو 2.1% على مستوى الأراضي الفلسطينية، وترتفع في أوساط الذكور مقارنة بالنساء وترتفع في قطاع غزة مقارنة بالضفة الغربية، كما هو في الجدول التالي:



              المصدر: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (تقرير المرأة والرجل في فلسطين: قضايا واحصاءات 2018)
الأمر الذي يتطلب تحليلاً معمقاً للخصائص والأسباب على مستوى توزيع الاعاقة حسب الجنس وحسب المنطقة الجغرافية، تمهيداً للوصول الى سياسات واجراءات تتلاءم وخصوصية كل منطقة.
إضافة لأهمية الانتباه لتوزيع حالات الإعاقة حسب نوعها، لأن كل نوع يتطلب سياسات ومتطلبات واحتياجات متخصصة، فوفق ذات المصدر تحتل الاعاقات الحركية النسبة الأكبر من بين حالات الإعاقة المسجلة لعام 2017 بنسبة وصلت لنحو 1.1% تتوزع بواقع 1.1% على مستوى الذكور وبنسبة 1% على مستوى الإناث في فلسطين، وتأتي الإعاقة البصرية في المرتبة الثانية بنسبة تصل لنحو 0.7% على مستوى فلسطين لكلا الجنسين، فيما تتوزع باقي الحالات على باقي أنواع الإعاقة حسب التعريف المعتمد من مصدر البيانات (السمعية، والتواصل والتذكر والتركيز) بنسب متفاوتة.

 

كلما تقدمت الفئة العمرية ارتفعت نسبة انتشار الاعاقة
الملفت للنظر ان توزيع نسب حالات الاعاقة تسير بتناغم مع العمر، بمعنى كلما ارتفعت الفئة العمرية ارتفعت نسب الإعاقة، فحسب البيانات تتركز نسبة انتشار الاعاقة بواقع 44.7% للاناث ضمن الفئة العمرية 65 سنة فأكثر مقابل 39.1% للذكور ضمن نفس الفئة العمرية، في حين أن هذه النسب لا تتعدى حاجز ال 1%  ضمن فئة الاطفال الذين تقل أعمارهم عن 17 عاماً.
انها صورة مهمة للتعرف على خصائص وسمات واحتياجات ذوي الاعاقة حسب الفئات العمرية، وكذلك الحاجة للتعرف على توزيعهم حسب منطقة السكن الاساسية، بهدف التعرف على مدى توفر متطلبات البيئة المساندة لتلبية احتياجات هذه الفئة من المجتمع، فوفق نتائج المقابلات الميدانية التي قمنا بها اتضح شح ونقص شديد في توفر المتطلبات والبيئة المهيأة لذوي الإعاقة على مستوى المدن الرئيسية وضعف المرافق المخصصة لاستخداماتهم في تلك المدن والمؤسسات، فكيف هو حال هذه الفئة في الأرياف والتجمعات النائية؟


احتياجات ذوي الاعاقة ينبغي أن تكون أولوية لدى التخطيط والتطوير المؤسسي
أظهرت نتائج زيارات قمنا بها لعدد من المؤسسات والمرافق الرئيسية في الدولة أن واقع حال البيئة العامة لا تدلل على أنه تم الاخذ باحتياجات ومتطلبات ذوي الاعاقة على مختلف المستويات الحياتية واليومية، سواء على مستوى التنقل ووسائل المواصلات، او أماكن العمل، والمرافق التعليمية والصحية والاجتماعية، ولعل هذا التأخر في التخطيط والتنفيذ والاستجابة ومهما كانت مبرراته، له عظيم الاثر على تعميق الضعف المؤسسي في التجاوب مع اندماج ذوي الاعاقة في المجتمع  والاقتصاد وباقي مناحي الحياة في المجتمع الفلسطيني.
ومن هنا يؤكد أسامة السلوادي وهو مصور صحفي وصاحب إعاقة حركية تسببت بها طلقة طائشة خلال فعالية وسط رام الله عام 2006, أن ذوي الإعاقة في المجتمع يفتقرون لأبسط الاحتياجات الإنسانية ومن أهمها عدم مواءمة الاماكن لحركة هذه الفئة, ما يشكل عائقا كبيرا امامهم لممارسة حياتهم اليومية الطبيعية كباقي أفراد المجتمع, خاصة عند احتياج هذه الفئة لمراجعة بعض المؤسسات الرسمية لتخليص اوراق معينة, وهنا يشير السلوادي إلى أهمية دور نقابة المهندسين في هذا الجانب نظرا لاختصاصها بمنح التراخيص لمبان غير موائمة لذوي الاعاقة. 
وتطرق السلوادي الى الاحتياجات اللوجستية التي يحتاجها المعاق ويقصد هنا الكراسي المتحركة التي يتم توزيعها. إذ إنها عادة لا تلائم صاحب الإعاقة, وتفتقر لمتطلبات يجب أن تراعي الحالة الصحية لبعض الحالات, ويمكن أن تزيد من تفاقم مشاكل صاحب الإعاقة وتسبب له بعض الجروح وتآكل الجسم ومن هنا يجب على الجهات المختصة النظر في هذه الجزئية ومراعاة مواصفات كل كرسي من حيث طول الشخص المعاق ووزنه وطبيعة الإعاقة والمادة المصنوعة منها وفق ما يناسب الشخص صاحب الاعاقة قبل توزيعها. مؤكدا أننا كبلد تحت الاحتلال ويتعرض أفراده لإصابات متفرقة تودي ببعضهم للإصابة بإعاقات مختلفة نحتاج الى أن نكون متطورين ومهتمين بهذا المجال من خلال التطوير المستمر والتخطيط الاستراتيجي المهني أكثر من أي دولة أخرى.

 

النساء المعنفات من ذوي الإعاقة.. قضية تتطلب وقفة جدية
تهتم الدول والحكومات والمؤسسات المدنية الرسمية وغير الرسمية بكافة مكونات مجتمعها، ويحظى ذوو الاعاقة باهتمام متزايد من قبل الجهات المعنية، ليس من باب الشفقة والرحمة او الكرم وانما من باب الالتزام المجتمعي تجاه احد مكونات المجتمع، لأن المعاق انسان بكل ما في الكلمة من معنى له حقوق وعليه واجبات، وهو طاقة مجتمعية مهمة وإهمالها اضعاف للمجتمع، وتكريس الاعاقة هو تكريس لإعاقة المجتمع قبل ان يكون موجهاً ضد المعاق بشكل فردي، وتصويب النظرة والعلاقة هو في مصلحة المجتمع في المقام الاول والاخير، والجهات الرسمية وغير الرسمية مطالبة بالتعاون وحشد الطاقات وابتداع كافة الوسائل والسياسات التي من شأنها ادماجهم في المجتمع والحياة العامة بهدف إظهار طاقاتهم وقدراتهم واضافتها للجهود الوطنية في التنمية والتطوير، وجعلهم فئة منتجة تسهم بدورها المميز في عملية تنمية المجتمع وتحقيق التنمية الشاملة في الاراضي الفلسطينية. 
ولكن .. ! وفي لقاء مع صفية العلي– صاحبة إعاقة، وتتولى رئاسة مجلس إدارة جمعية نجوم الامل لتمكين النساء ذوات الإعاقة– أكدت انه وللأسف لا توجد حتى الآن سياسات ولا تشريعات ولا قوانين تحمي حقوق ذوي الإعاقة في المجتمع الفلسطيني, وإن وجدت فهي تفتقر للرقابة على تنفيذها.
واشارت إلى أهم العقبات التي تواجه هذه الفئة في المجتمع وعلى رأسها نقص الخدمات الرئيسية والفعالة ومنها مثلا الوصول المعلوماتي للمعاقين بصريا في المدارس, حيث لا توجد مناهج متوفرة بلغة (بريل), كما تفتقر بعض المدارس لمترجم لغة الإشارة للطلبة المعاقين سمعيا. ما يؤدي الى صعوبة دمج هؤلاء الطلبة في المجتمع في ظل انعدام المواءمة المعلوماتية والتوجهاتية.
وأكدت العلي على وضع المعاقة في المجتمع وما تواجهه من صعوبات, خاصة داخل الأسرة التي يوجد بها اكثر من معاق, حيث يتم الاهتمام بالذكر المعاق على حساب الفتاة، وتهميشها في الوقت نفسه, لدرجة انها لا تمتلك شهادة ميلاد أو هوية وهي أمور بديهية وحق من حقوقها كإنسان, والأسوأ من ذلك– والكلام لـ العلي- تعرض الفتاة صاحبة الإعاقة للعنف من قبل باقي أفراد الأسرة والمتمثل بالحبس والعزل, وحرمانها من العطف والحب والاحتواء وحتى أبسط متطلبات أية فتاة وتعرضهن في بعض الحالات للاستغلال والتحرش من أصحاب النفوس المريضة, وبالتالي فإننا نطالب الحكومة والجهات المختصة برفع مستوى الحماية للمعنفات من ذوي الإعاقة, خاصة إذا ما ذكرنا أن مؤسسة "محور" وهي بيت حماية المعنفات ومقرها محافظة بيت لحم لا يوجد فيها مكان للنساء من ذوات الإعاقة ولا وجود لمتخصصين قادرين على التعامل مع هذه الفئة. 
وأشارت العلي إلى القانون الخاص بتشغيل 5% من ذوي الإعاقة في مؤسسات المجتمع, مؤكدة ان هناك مؤسسات تدعي توظيف هذه الفئة, وان كان هناك توظيف فإن الذكور يحتلون النسبة الأكبر لاقتناع تلك المؤسسات بعدم قدرة المعاقة على العمل ما يحرمها من التمكين الاقتصادي الذي يعد مفتاحها للتواصل مع المجتمع والاندماج بشكل سلس وبالتالي تعرض المعاقة في هذه الحالة لعنف اقتصادي وبالتالي يجب مراجعة هذه الجزئية من الجهات المختصة والنظر فيها بشكل جدي.
ومن خلال رئاستها لمجلس إدارة جمعية نجوم الأمل أكدت العلي أن الجمعية التي تأسست عام 2007 على يد مجموعة من ذوات الإعاقة بهدف تحسين وضع المعاقات على مستوى فلسطين وتعريفهن بحقوقهن وواجباتهن وكيفية الوصول الى هذه الحقوق, من خلال تدريبات وطنية وإقليمية مكثفة وتنظيم حملات ضغط ومناصرة لدعم حقوق هذه الفئة, أكدت وبشكل عام مواجهة عقبات في هذا المجال من حيث الافتقار لتعاون عالي المستوى مع المؤسسات الرسمية خاصة اذا كان هناك مشروع يحتاج لتمويل. رغم ان هناك مبلغا يتم رصده في كل وزارة لذوي الإعاقة, ويمكن ان نذكر في هذا المجال المعونة التي تحصل عليها الأسرة التي يوجد فيها أفراد من ذوي الإعاقة من وزارة الشؤون الاجتماعية وتقدر بـ 750 شيقلا, التي يمكن الا يستفيد منها الفرد صاحب العلاقة في بعض الحالات نتيجة استخدامها من قبل رب الأسرة لأغراض أخرى.
كما طالبت العلي الإعلام بنقل صورة وأوضاع ذوي الإعاقة من منظور حقوقي واجتماعي وعرض قصص النجاح لهذه الفئة وعدم التعامل مع قضاياهم من منطلق الشفقة والعطف.
وتقول العلي: نتوقع من كافة المؤسسات والهيئات تطوير وتوسيع جهودها لتقديم الخدمات والإرشاد اللازم لذوي الاحتياجات ليجعلوا منهم أشخاصاً فاعلين قادرين على الاعتماد على أنفسهم، وخوض معترك الحياة، وتوفير الفرص الكفيلة لتحسين مستوى حياتهم، وتحقيق الاستقلالية وإزالة العراقيل والصعاب التي تعترضهم للوصول إلى مستوى حياة أفضل، لأن ذلك يقود في نهاية المطاف لتحسين جودة الحياة وجودة المجتمع الذي نعيش فيه، وعلينا ان ندرك جميعاً بأن الاعاقة ليست عيباً، والعيب يكمن في التقصير الذي يعاني منه المعاقون في التعبير عن دورهم ومساهمتهم في مسيرة البناء والتنمية وانجاز المشروع الوطني.


نريد حقوقنا من الدولة بشكل مباشر.. لا من خلال الالتفافات
بنظرة سريعة لواقع المؤسسات والبيئة العامة للتنقل والعمل على مستوى القطاع العام والخاص في الاراضي الفلسطينية، يكتشف دون عناء انها ما زالت قاصرة عن التجاوب الفعال مع احتياجات ذوي الاعاقة، فرغم وجود قانون حقوق المعاقين الفلسطيني رقم (4) لعام 1999 والقانون الاممي للأشخاص ذوي الاعاقة والبروتوكول الاختياري التابع له, واتحاد عام لذوي الاعاقة، الا ان مؤسساتنا غير مهيأة لدخول وخروج ذوي الاعاقة بشكل آمن، وهذا الحال لا يقتصر على المباني الحكومية لكن حتى مباني الاتحادات نفسها، ومقرات الهيئات العامة، ومؤسسات وشركات القطاع الخاص، وللأسف تبدأ رحلة صعوبات ذوي الاعاقة من البيت، فتهيئة البيت ومقر اقامة الاسرة للتجاوب المريح مع حركة واحتياجات ذوي الاعاقة شبه مفقودة لاسباب تتعلق بالوعي لها وكذلك لتكاليفها المالية، والخروج من البيت لقضاء اية احتياجات يكشف عورة طرقاتنا وافتقارها لاحتياجات ذوي الاعاقة، والحال أصعب بكثير عند الحديث عن وسائل المواصلات، سواء العامة او التاكسي او غيرها، فكلها مصممة دون ان تأخذ بعين الاعتبار حاجة ذلك الانسان الذي يعاني من إعاقة مهما كانت، قليلة جداً تلك المؤسسات التي اعدت مرافقها لتستوعب احتياجات المعاقين، نقول ذلك بمرارة رغم اننا كشعب فلسطيني يعي هذه الظاهرة لما خلفته سنوات الاحتلال من اصابات واعاقات طالت العديد من ابناء الشعب الفلسطيني على امتداد الوطن!
ومن هنا كان لقاؤنا مع محمد سعيد ملحم– صاحب إعاقة– ويعمل مرشدا تربويا في مدرسة ذكور كفرراعي الأساسية الجديدة، الذي أكد في حديثه افتقار ذوي الإعاقة في المجتمع الفلسطيني لأبسط الخدمات وفي مقدمتها توفير الأدوات الطبية المساعدة من كراسي متحركة بأنواعها وأطراف صناعية وأجهزة مساندة والتي لا تتوفر إلا عبر المناشدات والمطالبات المتعبة عبر سلسلة من الإجراءات الطويلة وتوجيه خطابات "إلى فلان وعلان", وسؤالنا هنا لماذا لا يتم تقديم هذه الخدمات من قبل الدولة مباشرة؟ وأن تكون هناك مؤسسة عامة ومتخصصة توفر لهذه الفئة احتياجاتها التي تؤهلهم للحياة ضمن سياسة مستقرة وليس من خلال التبرعات؟!
واشار ملحم الى ما تعانيه هذه الفئة مع المواصلات التي تفتقر لأية إمكانيات قادرة على خدمة المعاق وكأن هذا الفرد ليس جزءا من المجتمع ولا يوجد له حرية تنقل تمنحه القدرة على ممارسة حياته المهنية والاجتماعية وقضاء احتياجاته الرئيسية بما يتنافى مع ما جاء في المادتين (16) و(17) من قانون حقوق المعوقين الفلسطينيين رقم (4) لعام 1999 وبما يخص دور وزارة المواصلات تحديدا على تهيئة بيئة مناسبة لتسهيل حركة ذوي الإعاقة في المجتمع، مشيرا أيضا الى قضية التأمين الصحي الذي لا يغطي إلا الأشياء البسيطة وليس العلاجات المكلفة خاصة للذين يعانون من أمراض مزمنة, وكنا قد تعرضنا لسؤال – والكلام لـ ملحم–  لماذا تخصم الحكومة على الموظف من ذوي الإعاقة رسوم تأمين صحي لمن هم نسبة العجز لديهم فوق 60%, رغم أنه من حقهم ان يكون التأمين الصحي الخاص بهم مجانيا؟ 
وأكد ملحم على قضية أخرى يواجهها صاحب الإعاقة وبشكل يومي ودائم وهي نظرة المجتمع لهذا الشخص، النظرة التي ما زالت تتسم بالشفقة والدونية, نظرة تنعكس على المعاق وتحرمه من أبسط حقوقه وأهمها الزواج وتأسيس اسرة والاستقرار, الى جانب خجل بعض الاسر من وجود فرد معاق بينهم, ويكون ضحية اعاقته بما يواجهه من عنف من قبل الاسرة وتعرضه للضرب والحبس والحرمان من الطعام والشراب وبالمختصر التعامل معه كأنه "حيوان لا إنسان"، والسبب في ذلك غياب التوعية وتقصير المؤسسات الرسمية والحكومية في الوصول لهؤلاء الضحايا المنسيين في الغرف المظلمة والقذرة, وإن وصلت فالوصول يكون متأخرا للأسف. وهنا يقول ملحم "إننا وكأشخاص من هذه الفئة نطالب المجتمع بأن يحترم إنسانيتنا ويعاملنا كأفراد منتجين ولا يعاملنا كأفراد عاجزين يستثيرون الشفقة، ولا تقف في طريق سعادتي وممارسة حقي في الحياة الطبيعية والعاطفية".
وأكد ملحم أنه من الإنصاف ذكر جهود السلطة الوطنية عامة والتربية والتعليم خاصة في مجال تعزيز حقوق ذوي الإعاقة في الدمج والعمل والتعليم والتسهيلات الجمركية، لكن ما زال هناك الكثير يجب أن ينجز بحق هذه الفئة.


الاتحاد العام للمعاقين:. نسير نحو التغيير لكن ببطء
انها صرخة ونداء وتضامن مع كافة ابنائنا ذوي الاعاقة، نهتف معهم "انا لست معاقاً وانما هي بيئة معاقة"، المشكلة في البيئة والعلاج في البيئة، لأن بقاء البيئة على شكل يتجاهل احتياجات المعاقين يحكم على طاقات وابداعات متنوعة من ابناء شعبنا بعقاب اضافي وقد يكون اقسى من الاعاقة نفسها، انه اجحاف بحقهم وحرمان لهم من التعامل على قدم المساواة امام باقي ابناء شعبهم، لأن لهم الحق في التمتع بكافة مرافق الحياة، ولهم الحق كباقي الافراد في الحصول على فرص التعليم والصحة، ولهم الحق في الوصول الى كافة المرافق والمؤسسات بكل سهولة ويسر، وفوق كل ذلك لهم الحق في التنافس على فرص العمل على قدم المساواة دون تمييز سلبي بسبب اعاقتهم.
من هنا كان لنا لقاء مع الامين العام للاتحاد العام للمعاقين الفلسطينيين رفيق أبو سيفين لنضع بين يدي الاتحاد باعتباره الجهة الرسمية المتابعة لما تم إنجازه وما لم يتم وما هو مطلوب وأين يجب أن نقف اليوم تجاه قضية احتياجات الاشخاص ذوي الإعاقة في فلسطين. 
يقول أبو سيفين: "تتمثل العقبات التي يواجهها ذوو الاعاقة بداية من النظرة السلبية من المجتمع بكل مكوناته وبحدود متفاوتة وعدم وجود ثقافة التعامل معنا كذوي اعاقة على مبدأ الكفاءة بل على المبدأ الاغاثي وليس الحقوقي الا من القلة القليلة التي تتعامل معنا وفق معايير حقوقية التي تتمثل بالغالب بالمؤسسات الحكومية كون القانون يلزمها, ولا ننكر حالة التقدم التي تشهدها فلسطين باتجاه تطبيق حقوق ذوي الاعاقة بالرغم من بطئها وهذا الامر يفتح المجال امام وجود خلل بيئي ومادي يشكل عقبة حقيقية امام ذوي الاعاقة خاصة بموضوع المواءمة البيئية وحق وصولهم لكافة مرافق المؤسسات والاماكن العامة وتلقي خدماتها, إضافة لعدم وجود منظومة صحية تتعامل مع ذوي الاعاقة من منطلق مهني سواء بالتشخيص او العلاج أو تقييم الحالة من منطلق حقوقي ملزم وفق ما التزمت به دولة فلسطين عندما وقعت على مجمل الاتفاقيات الدولية الناظمة لهذه الحقوق ومنها الاتفاقية الأممية الخاصة بذوي الاعاقة والبروتوكول الاختياري الخاص بها, وينطبق ما سبق على المعيقات بالحصول على حقوقهم في التعليم والعمل وكل ما يخصهم ونحن في الامانة العامة للاتحاد ومن خلال فروعنا نعمل وضمن سياسات محددة على ازالة هذه المعيقات بداية من التوعية والارشاد لذوي الاعاقة أنفسهم وأهاليهم والعاملين بالمؤسسات والمجتمع بشكل عام، إضافة للتشبيك مع المؤسسات وكافة القطاعات على ازالة هذه الحواجز والعقبات من اجل استبعاد هذه العقبات من طريق تقدم ذوي الاعاقة.
نحن كذوي اعاقة في الاتحاد- والكلام لـ أبوسيفين- منتخبون لإدارة أمور ذوي الاعاقة من خلال فروع الاتحاد, لكن دائما ما نشعر بالتقصير من منطلق المحاسبة الذاتية للنفس تجاه من حملونا أمانة العمل من أجل تغيير الواقع الخاص بهم, من خلال العمل على استغلال قانون حقوق المعاقين وجهود المناصرين لقضايانا لايجاد مواءمات في كافة الاماكن العامة وهناك حالة تقدم ملحوظة بهذا الاتجاه لكن لن ندعي المثالية فنحن أنفسنا وفي بعض الفروع نعاني من عدم وجود مواءمات ونعمل على إيجاد البدائل لتقديم خدماتنا ويرجع ذلك بشكل مباشر لبعض المناطق التي تتطلب ميزانية كبيرة بهدف تخصيص المقر سواء بالاستئجار أو التملك, علما ان الأغلبية العظمى من مقرات الاتحاد مواءمة وهناك مشاريع مستقبلية لبناء مقرات بعد حصول بعض الفروع على قطع اراض وبخصوص مواءمة بعض المؤسسات والاماكن العامة, فقد اطلقنا سابقا حملات بهذا الخصوص وما زلنا نركز في أنشطتنا واتفاقياتنا مع المؤسسات المختصة على خدمة قضية المواءمة بشكل مباشر.
وبخصوص إشكالية عدم تطبيق قانون حقوق الأشخاص المعاقين  رقم (4) لعام 1999, أكد أبوسيفين أن السبب الرئيسي يعود لعدم وجود قرار سياسي بضرورة تطبيقه واستغلال بعض المؤسسات للفجوات تجاه تطبيقه وجلب مشاريع كُرست معظمها لوضع سياسات وخطط غير قابلة للتنفيذ لا على المستوى الرسمي ولا الاهلي والخاص وانتهاء هذه المشاريع دون استكمال, إلى جانب عدم ربط المشاريع والتمويلات ببعضها بحيث تتم الاستفادة منها في المساعدة في تطبيق القانون, إلى جانب أن  اللائحة التنفيذية للقانون تفتقر لخطط وآليات تنفيذ القانون ونحن كجسم نقابي وبالشراكة مع مؤسسات حقوقية ومؤسسات مجتمع مدني الى جانب الحكومة نقوم حاليا ومن خلال مركز الحقوق بجامعة بير زيت بالتحضير لإصدار قانون جديد خاص بذوي الاعاقة يواكب الواقع الذي يعيشونه على الأرض وربطه بمجمل الاتفاقيات الدولية الناظمة لحقوق ذوي الاعاقة يراعي حالة التغير والتطور التي مرت على مدار اعوام منذ اصدار القانون القديم.
في سياق مواز أكد أبو سيفين أن هناك تعاوناً وشراكات مع الكثير من المؤسسات سواء الحكومية او الاهلية في كثير من القضايا ونتابع مدى تطبيق هذه المؤسسات للقانون ولقضايا لذوي الاعاقة وما نلاحظه ان بعض هذه المؤسسات ومن خلال المشاريع التي تقوم على تنفيذها لا تلبي طموحنا كذوي اعاقة بقدر ما تنفذ مشاريع دراسات ووضع استراتيجيات وخطط دون ان تنفذ هذه الخطط ولا تستكمل نشاطاتها لتبقي باب الخلل موجودا بهدف جلب عدة مشاريع لنفس الهدف, ومن جهة اخرى ليس هناك تشبيك بين هذه المؤسسات لتوحيد جهودها وتنفيذ خططها بالتوافق مع جهود الحكومة وتوحيد هذه الجهود بما يخدم ذوي الاعاقة وحاليا ننقل وجهة نظرنا هذه لكافة المؤسسات ونضغط بهدف توحيد وتوجيه جهودنا وجهود كافة المؤسسات لما يخدم ذوي الاعاقة في المجتمع. 
وحول اولويات الاتحاد في المرحلة المقبلة, أشار أبو سيفين الى أنه يتم العمل حاليا على  استكمال ترتيب البيت الداخلي للاتحاد من خلال الانتهاء من انتخابات الفروع, حيث لم يتبق سوى فرعي القدس ورام الله من اصل ١٦ فرعا, بهدف الوصول لعقد المؤتمر العام الذي سيصادق على تعديل النظام الاساسي والنظام المالي كون الاتحاد توجه نحو تصويب وضعه القانوني من اتحاد جمعيات الى اتحاد افراد مسجل لدى دائرة العمل والتنظيم الشعبي في منظمة التحرير وكل هذا الجهد يهدف لجعل الاتحاد جسما نقابيا يتابع كل شؤون ذوي الاعاقة ويقف على بعد واحد من كافة المؤسسات الحكومية وغير الحكومية ويراقب عملها وآلية تقديم خدماتها بما يتوافق مع القانون الخاص بذوي الاعاقة, إضافة إلى إطلاق وحدة الشكاوى وتسجيل الانتهاكات بشكل موحد ومركزي, والعمل على متابعة ومراجعة كافة الخدمات التي يقدمها الاتحاد لتكون بحسب ما هو مطلوب حسب مصلحة الاشخاص ذوي الاعاقة وطبقا للقانون الخاص بهم.