ترامب.. (اخونجي) على الطريقة الأميركية

سؤال عالماشي .. موفق مطر

رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب يعتبر الديمقراطيين اليهود "اغبياء وخائنين" هذا آخر ما صدر عن بلفور العصر الحالي.
قال ترامب للصحفيين في البيت الأبيض: "إن تصويت اليهود الأميركيين لصالح الحزب الديمقراطي يعتبر خيانة وعدم ولاء" وأضاف: "أعتقد أن أي يهودي يصوت لصالح ديمقراطي أن يكون لديه نقص تام في المعرفة أو عدم ولاء".
 وبذلك يكون لدى الولايات المتحدة الأميركية رئيس من طينة جماعة (الاخوان المسلمين) التي يفتي مشايخها بتكفير كل شخص لا يعطيهم صوته في الانتخابات، ويعتبرونه جاهلا بشرع الله، ومن هنا يمكننا معرفة النبع الذي يشرب منه كل هؤلاء المتطرفين الارهابيين الذين يستخدمون ادوات عنفية، أو الذين يلوون عنق الديمقراطية حتى يكسروها تحت يافطة حرية الرأي والتعبير والموقف، واشد اشكال هذا الارهاب ما قاله ترامب حول اليهود الديمقراطيين، مبررا ذلك بعشقه لاسرائيل ودفاعه عما يسميه الشعب اليهودي، فهل لعاقل ان يقبل تخوين رئيس دولة عظمى، تقوم على مبادئ الحرية والعدالة لمواطنين بسبب انتمائهم السياسي؟! بالــتأكيد لا، لكن أليس ما نسمعه ونشاهده مؤشرا على  انهيار كبير يبدأ من رأس الهرم السياسي الأميركي؟! نعتقد أنه لم يعد بعيدا اليوم الذي نشاهد فيه ترنح الولايات المتحدة إن لم يسارع العقلاء فيها الى وضعها على سكة العدالة والانسانية والالتزام بالشريعة الانسانية والشرعية الدولية وقوانينها ومواثيقها.
لا بد من سؤال هنا، هل يكره ترامب اليهود؟ وهل كراهية اليهود سمة يتشارك بها مع بلفور، رغم عطائهما اللا محدود للحركة الصهيونية التي تعني اول وآخر ما تعني الهجرة الى فلسطين التي اغتصبوها وسموها اسرائيل؟!
تولى ارثر جيمس بلفور رئاسة الحكومة في بريطانيا عام  1902 حتى عام 1905  وكان ضد هجرة اليهود من اوروبا الشرقية الى بريطانيا، لكنه عندما كان وزيرًا للخارجية من 1916 إلى 1919 في حكومة ديفيد لويد جورج ساهم في إعطاء وعد للحركة الصهيونية لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين التي كانت حينها تحت انتداب دولته، وكل الدراسات تفيد انه كان يريد التخلص منهم بسبب دورهم الوظيفي الذي كان بمثابة مشكلة لكثير من دول اوروبا الغربية قبل الشرقية.
أما ترامب فقد وعد اليهود الأميركيين واسرائيل ان تكون القدس العربية عاصمة لاسرائيل، والغاء قضية اللاجئين، واعتبار الاحتلال والاستيطان الاسرائيلي مشروعا وقد نفذ ما وعد به، واضاف حبة مسك كما يقولون في الأمثال أن اعتبر الجولان العربية السورية جزءا من اسرائيل، لكن ما لا يعرفه الكثير من الناس ان الحزب الجمهوري الذي ينتمي له ترامب لم يرحب بهجرة اليهود الى الولايات المتحدة الأميركية وكان للحزب موقف مضاد منهم. والسؤال هنا هل يفكر ترامب بتسهيل كل اسباب الاستقرار لإسرائيل لتسهيل وتيرة هجرة الأميركيين اليهود الى اسرائيل، فينجح في اضعاف منافسيه في الحقل التجاري، ويحقق رواية ومفاهيم المتدينين في حزبه حول المعركة الفاصلة بين الحق والباطل حسب دعايتهم في (هارمجيدون) تل مجدو في فلسطين، ولعله بهذا الدعم اللا محدود لاسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني يستطيع اقناع ستة ملايين يهودي اميركي او بعضهم او معظمهم من الهجرة اليها وترك وطنهم الأصلي، وبذلك يتخلص من منافسيه الأميركيين اليهود الأغنياء، ويضاعف من حدة الصراع في المنطقة حيث المستفيد ألأول والأخير منه واشنطن.
صمت بنيامين نتنياهو واعضاء حكومة اسرائيل التي تدعي الدفاع عن اليهود في العالم وتعتبر أنها تمثلهم، ولا غرابة في هذا الموقف لأن واحدا من حزب الليكود الحاكم لا يمكنه فتح فمه للرد على ترامب في هذه اللحظات العصيبة، ليس لأن اسرائيل داخلة على انتخابات، ولأن نتنياهو رئيس حزب الليكود مرفوع على راحة ترامب في هذه الانتخابات وحسب، بل لأنهم يدركون أن ترامب لا يريد ان يسمع منهم ردا، فالذي يجاهر بالعداء لمواطنين اميركيين اعضاء في مجلس النواب، ولمواطنين أميركيين ويصفهم بالخونة والجاهلين وعديمي الانتماء، فانه لن يتوانى عن قص لسان أي وزير أو رئيس حزب اسرائيلي يحاول الدفاع عن اليهود الديمقراطيين (أي المنتمين للحزب الديمقراطي المعارض لادارة ترامب) وإلا فان سحب ترامب دعمه لليكود يعني السقوط الحتمي حتى قبل اجراء الانتخابات.
ترامب يتعامل مع قضايا الشعوب بأسلوب البزنس المتغطرس المتكبر المحتكر، يتخيل ان الدعم الذي قدمه لأجيره نتنياهو لإبقائه على قيد الحياة السياسية سيمكنه من كسب اصوات الأميركيين اليهود في الانتخابات الأميركية  مطلع العام المقبل 2020 وكأنه لا يعلم أن معظم الأميركيين اليهود قد اختاروا الحزب الديمقراطي لتميزه عن الجمهوري بخصوص بيئة الحرية واللاتمييز المفقودة لدى الجمهوريين، لذا لم يتورع ترامب عن توجيه التهديدات والصاق تهم الجهل والغباء والخيانة باليهوديالأميركي الذي سيصوت للحزب الديمقراطي سلفا، وبذلك يكون ترامب بلغ ذروة التطرف وسبق ما عرفناه من تطرف بلغته الجماعات والأحزاب والتنظيمات الدينية التي تعتبر كل من لا يناصرها خائنا كافرا جاهلا.
 قد تفتح مواقف ترامب بصيرة اليهود في العالم وتجعلهم يميلون للاعتقاد ان الحافظ لاستقرارهم ووجودهم في العالم هو تبنيهم عقيدة السلام القائم على الحق والعدل، والتخلي عن تقديم  اوراق اعتماد للدول الاستعمارية الكبرى، ولعلهم اذا بدأوا بذلك معنا في فلسطين يكتشفون صحة هذه الدعوة  بالتجربة.