الديمقراطية في وحل العنصرية

باسم برهوم

لم نكن بحاجة إلى برهان جديد لنكتشف ان إسرائيل ليست دولة ديمقراطية، فهذا الكيان تم تأسيسه انطلاقا من قرار استعماري عنصري هو وعد بلفور، الذي نفى وجود الشعب الفلسطيني وبالمقابل اخترع على انقاضه شعبا آخر، قال أنه الشعب اليهودي. واسرائيل باعتبارها دولة تحتل أرض شعب آخر لا يمكن أن تصنف أنها ديمقراطية، لذلك لم نندهش عندما منعت اسرائيل دخول عضوتي الكونغرس الأميركي رشيدة طليب وإلهان عمر إليه، ووضعت شروطا صارمة لدخولهما.
المدهش في الأمر هو موقف الادارة الأميركية، وبالتحديد رئيسها ترامب الذي دعا هو شخصيا اسرائيل بمنع عضوتي الكونغرس، وقال " اسرائيل ستبدو ضعيفة إن هي سمحت بدخول رشيدة وإلهان إليها". سفير ترامب فريدمان جاء موقفه مطابقا لصهيونيته وعنصريته، فبدل أن يدين ويستنكر قرار المنع الاسرائيلي لعضوتي الكونغرس، برر القرار ودعمه وهاجم رشيدة وإلهان باعتبارهما ناشطتين في حملة المقاطعة ضد اسرائيل التي تهدف الى نزع الشرعية عن اسرائيل كما قال.
الجميع يدرك أن الديمقراطية الأميركية هي ديمقراطية الاغنياء، أصحاب الثروات، ولكن ان تكون ديمقراطية عنصرية بهذه الوقاحة فهذا الوجه الذي أماط عنه ترامب وادارته اللثام. فالديمقراطية الأميركية في زمن ترامب ممرغة بوحل العنصرية.
السؤال المهم لماذا هذا الاصرار الذي يجمع عليه ترامب ونتنياهو في منع رشيدة وإلهان من دخول اسرائيل والقدس تحديدا؟
هناك عدة اسباب منها ما هو ذات طابع استراتيجي يتعلق بالرواية والمشروع الصهيوني القائم على اساسها وهناك اسباب عنصرية وانتخابية لكل من نتنياهو وترامب. أن تأتي لاسرائيل نائبات في الكونغرس يتحدثن للمرة الأولى للرأي العام الأميركي والعالمي عن رواية اخرى غير الرواية الصهيونية هو أمر في غاية الخطورة، وخصوصا ان يرى ويسمع الرأي العام الأميركي الرواية الفلسطينية صاحبة الحق التاريخي في هذه البلاد ولفت نظر الشعب الأميركي ان هناك احتلالا اسرائيليا للقدس ومقدساتها المسيحية والاسلامية هو أمر يناهض تماما اعلان القدس بانها عاصمة الشعب اليهودي الابدية.
ان ما يريده ترامب ونتنياهو هو ان يبقى العقل الأميركي خصوصا، والغربي عموما يتمحور حول منطق وعد بلفور والرواية الصهيونية الاستعمارية. والدليل أن رشيدة إذا ارادت أن تقتصر زيارتها لجدتها في قرية بيت عور الفوقا غرب رام الله وضمن الشرط الإنساني فقط فهو امر مسموح. يذكرنا هذا الشرط بمضمون وعد بلفور عندما دعم اقامة وطن قومي لليهود في فلسطين على شرط الا يمس بالحقوق المدنية والدينية للآخرين. فالآخرون أي نحن الشعب الفلسطيني ليس لنا حقوق سياسية مشروعة وانما فقط حقوق مدنية ودينية وانسانية.
اذا جاءت رشيدة لتتحدث عن الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية في القدس وفي مواجهة الاحتلال والاستيطان فهذه الزيارة ممنوعة، اما اذا جاءت في زيارة انسانية لجدتها في جنح الظلام فلا مانع.
ان من شأن زيارة النائبتين رشيدة وإلهان ان تعكر صفو مخطط ترامب ونتنياهو لاستكمال وعد بلفور والاجهاز النهائي على وجود الشعب الفلسطيني وحقوقه وقضيته الوطنية، وان الزيارة ستقدم دعما لموقف القيادة والشعب الفلسطيني الرافض قطعيا لصفقة القرن والمحاولات التي يقودها ترامب لتصفية قضية القدس واللاجئين ولشرعنة الاحتلال الاستيطان.
ان آخر ما يهم ترامب ونتنياهو هو الديمقراطية، فهذان العنصريان الصهيونيان لا علاقة لهما بالإنسانية من أساسه، فهم المثال للجشع الرأسمالي واليمين المتطرف.