الملك لله

هلا سلامة

من منظور ضيق جدا لا يزال قسم كبير من اللبنانيين يتعاطى مع قضية اللاجئين الفلسطينيين متجاهلا انها قضية تتعدى القرار الفلسطيني واللبناني وبان ارتباطاتها الاقليمية والدولية ادرجتها تحت بنود مواثيق عالمية تجاوزها الطرف اللبناني بحجة الهواجس غير المبررة كالتوطين وغيره وبقوانين وقرارات أقل ما يقال فيها انها تعاقب الفلسطيني على جريمة وجوده في لبنان وهو غير مسؤول عنها.

لطالما كان المسكن هو الحق الطبيعي والاساسي لحفظ كرامة الانسان واستقراره وقد شكل هذا الحق هاجسا من هواجس الفلسطينيين على مدى سنين اللجوء الى لبنان رغم ان القوانين والشرائع الدولية كفلته وأوجبت معاملة الفلسطينيين في الدول المضيفة معاملة مواطنيها.

ممنوع تملك الفلسطيني في لبنان مقولة مشهورة اعتدنا على سماعها دون معرفة أسسها وقانونيتها سوى انها تأتي في سياق رفض التوطين الذي يرفضه أساسا الفلسطينيون المتمسكون بحق عودتهم الى وطنهم.

عام 2001 وفي سياق تشجيع المستثمرين والشركات الأجنبية على الاستثمار في لبنان أقر مجلس النواب اللبناني مشروع قانون 296 تم بموجبه تعديل المرسوم رقم 11614 الصادر عام 1969 والمتعلق باكتساب الحقوق العينية العقارية في لبنان. وقد أثار حينها بعض النواب وعند مناقشته تخوفات من موجة شراء الفلسطينيين للعقارات ودعوا الى وضع مادة في القانون تمنع الفلسطينيين من تملك العقارات تحت ذريعة مواجهة التوطين. وهذا ما حصل اذ اتى القانون مجحفا ليحرم الفلسطينيين من التملك من الناحيتين القانونية والانسانية ناهيك عن الأضرار التي لحقت بالأشخاص الذي تملكوا قبل عام 2001، ولم يعد بامكانهم التوريث من بعده أو اشتروا قبل صدور القانون بفترة وجيزة ولم يعد بامكانهم التسجيل في الدوائر العقارية.

قانون يتخطى الانسان  يتناقض مع الشرائع والمعاهدات الدولية والتي تنص بمجملها على حق الفرد بالتملك ورفض كل أشكال التمييز العنصري والأخطر من ذلك انه اتى مخالفا لمقدمة الدستور اللبناني التي كفلت تطبيق المواثيق الدولية ومن بينها نصوص الاعلان العالمي لحقوق الانسان والتي شارك في وضعها لبنان ومن بينها تلك التي تمنح لكلِّ فرد الحق في التملُّك، بمفرده أو بالاشتراك مع غيره.

هواجس لا تبرر مخالفة القوانين اذ ان الأجانب يتملكون في لبنان من دون التنازل عن اوطانهم والكثير من الفلسطينيين يحملون جنسيات اجنبية يستطيعون بموجبها شراء عقارات في لبنان فما حال خطر التوطين في هذه الحالة؟

أستذكر سيدة فلسطينية تسكن في مخيم برج البراجنة في بيروت اثناء مقابلة معها وهي تصف لي الغرفة التي تعيش فيها فتقول: "صحيح هذه الغرفة الي بس مش الي" .. كلمات بسيطة ومعبرة تعكس مصداقية في حلم العودة الى الوطن وتدحض كل الهواجس التي ادت الى تشريعات تحرم اللاجئ من الحياة الكريمة.

هذا الحرمان أسهم في هجرة عدد كبير من الفلسطينيين الى بلاد لا تضيع حقوقهم فيها وفيما بقيت القوانين اللبنانية على حالها كانت الدول تستقطب الفلسطينيين وتوظف طاقاتهم وبذات الوقت تدرك كيف تنعش اقتصادها واسواقها.. وآخر مثال كانت تركيا التي سمحت مؤخرا لكل فلسطيني التملك فيها وشمل هذا القرار ايضا الفلسطينيين من حملة الوثائق الصادرة من عدة دول عربية وبينها لبنان. هذه الميزة التي اتاحت فرصة التقدم للحصول على الجنسية التركية مقابل الاستثمار العقاري لا شك انها شجعت الكثيرين من الفلسطينيين لا سيما الموجودين في لبنان على الهجرة اليها ايضا.

السوق العقاري اللبناني الذي يعاني عجزا لم يسبق له مثيل كان كافيا لانعاش دورة لبنان الاقتصادية لولا الهواجس التي تفوقت سمومها على الظروف الاجتماعية الصعبة التي يعيشها المواطنون والتي كانت تستوجب قرارات جريئة فكانت النتيجة ان الفلسطيني (غير المسموح له بالتملك) بات يفتش على أماكن تلائم مصالحه وتحفظ حقوقه في الاستثمار، أما اللبناني (المسموح له بالتملك) وتحت وطأة الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة تراجعت قدرته على الشراء  واذا ما كانت ظروفه تتيح له ذلك فالحقيقة انه بات يفتش كالفلسطيني على بلاد يستثمر فيها تكون ذات تكلفة أقل وأكثر أمانا واستقرارا له ولعائلته.

ويبقى لبنان والحال على ما هو عليه ويبقى الملك لله.

---------

صحافية لبنانية