2132 حالة ضبط في قضايا المخدرات على مستوى الضفة.. وضواحي القدس تحتل النسبة الأكبر

التنامي المتسارع لهذه الآفة.. ناقوس خطر يقرع أبوابنا جميعا والمطلوب "حملة وطنية دائمة"

99% من المضبوطين من فئة الذكور و66% من بينهم من العاملين و58% من غير المتزوجين
     ظاهرة المخدرات قضية أمن مجتمع من الدرجة الأولى واستمرارها استنزاف دائم لطاقات المجتمع وموارده 
إعداد: عبير البرغوثي-  صدر قبل أيام التقرير السنوي لعام 2018 عن إدارة مكافحة المخدرات في الشرطة الفلسطينية حول "احصاءات المخدرات في فلسطين"، تقرير مهم يتضمن أرقاما ورسائل مهمة لكافة الجهات ذات العلاقة على المستوى الرسمي والشعبي والمؤسساتي في الأراضي الفلسطينية، تقرير يتضمن العديد من نواقيس الخطر التي تحتم علينا جميعاً التحالف والتعاون لمواجهة اتساعها وانتشارها وتداعياتها على كافة مكونات مجتمعنا حاضراً ومستقبلا، لما تمثله هذه الآفة من تداعيات نوعية على المجتمع الفلسطيني والبيئة الحياتية في حال استمرارها من حيث الاعداد البشرية المتصلة بها، واتساع وتعدد أشكال الحصول عليها وتعاطيها.
ارتفاع خطير في عدد قضايا ضبط المخدرات عام 2018 مقارنة مع السنوات السابقة
يشير التقرير الصادر عن ادارة مكافحة المخدرات في الشرطة الفلسطينية إلى أن عدد قضايا ضبط المخدرات بلغت في عام 2018 نحو 2132 حالة على مستوى الضفة الغربية، وهو رقم خطير اذا ما تمت مقارنته بالأعوام السابقة، فقد تضاعف العدد كاملاً خلال أربعة أعوام فقط، مقارنة بنحو 1007 حالات نهاية عام 2014، الى جانب ذلك تتجلى خطورة هذا الرقم من خلال الارتفاع الكبير في نسبة النمو لعدد الحالات نهاية 2018 بالمقارنة بنهاية عام 2017، حيث تجاوزت النسبة 30%  مقارنة  بنحو 13% في العام السابق، وهذه وتيرة خطيرة على مستوى نمو عدد الحالات، مع الإشارة للجهد الذي تبذله الجهات المختصة لضبط هذه الحالات، وإمكانية وجود حالات لم يتم الوصول اليها بعد وهنا تكمن الخطورة لهذه الآفة.
من جانب آخر يتضح مستوى تركز الحالات/ القضايا المضبوطة ضمن المدن الرئيسية في الضفة الغربية، حيث احتلت منطقة ضواحي مدينة القدس النسبة الاكبر بواقع 17.4% تلتها مدينة رام الله بنسبة 16.4% وجاءت مدينة جنين في المرتبة الثالثة بنسبة 11.3%، فيما توزعت باقي النسب على باقي المدن كما يظهر في الجدول التالي أدناه: 


زيادة مضطردة في أعداد المضبوطين
الجانب الآخر من خطورة البيانات المنشورة حول هذه الآفة يتمثل في الزيادة المضطردة لأعداد المضبوطين ضمن تلك القضايا، حيث وصل العدد الى نحو 2567 شخصاً من مختلف المدن الفلسطينية في الضفة الغربية لعام 2018، وهذه الأعداد تدلل على ارتفاع بنسبة تصل الى 33.6% مقارنة بنهاية عام 2017 وهذا مؤشر خطير على ارتفاع اعداد الافراد الذين يتم ضبطهم، خاصة اذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن هذا العدد قد تضاعف خلال أربع سنوات فقط، مقارنة بقيمته نهاية عام 2014 والتي بلغت في حينه نحو 1239 حالة!
هذا الارتفاع في الاعداد المطلقة لعدد الحالات المضبوطة لآفة المخدرات وعدد المتورطين فيها يدق ناقوس خطر كبير امامنا جميعاً، فالزيادة تعني ارتفاع الاحتمال بالتهديد واتساع دائرة عدم الأمان لمستقبل اطفالنا، ويعني ذلك ارتفاع المخاطر بوصول هذه الآفة لأماكن أكثر على مستوى الأسر والمدارس والأندية وباقي المؤسسات، الأمر الذي يضع مجتمعنا على أبواب خسائر اجتماعية واقتصادية وصحية كبيرة، وكيف سيكون الحال اذا اضفنا لهذه المخاطر والتهديدات الابعاد الامنية المرتبطة بسلامة المجتمع وقدرته على مواجهة الاحتلال وتداعياتها؟

 

مخاطر كبيرة على صحة وتركيبة المجتمع السكانية
في السياق ذاته يظهر من البيانات المنشورة وحسب ذات المصدر بأن 74.1% من الحالات المضبوطة هي ضمن الفئة العمرية 18– 35 سنة، والى جانب ذلك فان 58% من الحالات هي من بين الشباب غير المتزوجين، الأمر الذي يدلل على مخاطر  اجتماعية اضافية، سواء من جانب إضعاف السمعة الاجتماعية لمستقبل هؤلاء الشباب ضمن مجتمعهم، وكذلك إضعاف دورهم الاقتصادي بسبب ماضيهم، وفي كلتا الحالتين ستكون الخسائر متعددة ومركبة على الاقتصاد والأمن وسلامة المجتمع الفلسطيني، وهذا مؤشر في غاية الخطورة على صحة المجتمع وبالتالي يشكل التهديد الكبير الذي ينتج عن ضرب هذه الفئة من الشباب التي تشكل عصب الحياة للمجتمع الفلسطيني، لأن هذه الفئة هي ما يقوم عليها مستقبل الشعب، وان تم تدميرها فقد تم تدمير مستقبل شعب بكامله، لان هذه الفئة هي قوة العمل، وشباب اليوم هم قادة المستقبل، وان صلحت هذه الفئة غالبا ما تقود الى صلاح مجتمعها والا فان الثمن سيكون عالياً ومضاعفاً على مستقبلنا جميعاً، ولن يكون هناك فئة بعيدة عن مخاطر تلك الآفة حيثما تكون!
وما يدلل على خطورة هذه المؤشرات هو عدد المضبوطين بشكل عام وتوزيعهم حسب المهنة لعام 2018، حيث يتضح أن عدد المضبوطين قد وصل الى نحو 2567 متورطاً موزعين بواقع 99% من الذكور مقابل 1% من الاناث، مما يدلل على تركز المتورطين ضمن فئة الذكور في المجتمع الفلسطيني، وبالنظر لتوزيع هؤلاء المتورطين حسب المهنة فقد اظهرت بيانات نفس المصدر بأن 66.7% من هؤلاء المتورطين هم من فئة العمال، اي غير العاطلين عن العمل، إضافة الى أن 6% من بين المتورطين هم من فئة الطلاب،  وبالنظر الى هذين المؤشرين معاً,  فان جوانب ذات خطورة كبيرة يمكن التوقف أمامها  بمزيد من الاهتمام، لأن الافتراض التقليدي لدى العديدين بأن هذه الآفة تتفشى بين العاطلين عن العمل، ولكن تركز عدد المتورطين بين فئة غير العاطلين عن العمل يمثل مجالاً مهماً للدراسة المعمقة والتحليل متعدد الأبعاد للتعرف على الاسباب والدوافع خلف هذه الظاهرة على هذا الصعيد.

 

الى جانب ذلك يتضح من البيانات تركز متعاطي المخدرات ضمن المتورطين وفق تقرير 2018 بنسبة وصلت الى 83.9% من اجمالي عدد المتورطين، مقابل 9.3% ضمن فئة التجار، والمروجون بنسبة 3.7% والمتورطون في زراعة المخدرات بنسبة وصلت الى 3.0%، ووفق استنتاجات ادارة مكافحة المخدرات فقد اتضح من البيانات المتوفرة وجود تزايد ملحوظ في أعداد المستنبتات المضبوطة حيث بلغ عددها 47 مستنبتا، وكذلك اظهر التقرير وجود تزايد في كميات وأوزان القنب المصنع وهي من المؤشرات والدلالات الخطيرة وفق معلومات ادارة مكافحة المخدرات.
 

553 نشاطا توعويا 
من جانب آخر يظهر  التقرير الصادر عن الادارة حجم الجهود والانشطة غير الامنية التي تقوم بها الجهات المختصة بهذا الشأن، ضمن جهودها للتوعية بمخاطر هذه الآفة وسبل محاربتها على المستويين المجتمعي والرسمي، حيث تم تنظيم نحو 553 نشاطاً على مستوى المدن الفلسطينية في الضفة الغربية، مثلت المحاضرات التوعوية نحو 66.5% من هذه الفعاليات، ومن المهم على هذا الصعيد اعادة تحليل العلاقة بين الانشطة المنفذة ومدى انتشار او تراجع عدد الحالات المضبوطة حسب المدينة من خلال تحليل معمق لبيانات السلسة الزمنية، اضافة لقياس الأثر للخيارات فربما يكون من المفيد زيادة عدد الزيارات او التدريب وتقليل المحاضرات العامة، بهدف خلق أكبر أثر ايجابي على مستوى محاربة الظاهرة وتقليل عدد المتورطين وغيرها من المؤشرات المتصلة بهذه الآفة.
تنبغي الاشارة الى ان تقرير الادارة المعنية بمواجهة هذه الآفة يشير الى استمرار نزيف المجتمع الفلسطيني لطاقاته وموارده بسبب ارتفاع نسب ظاهرة المخدرات في المجتمع الفلسطيني، واستمرار هذه النسب يؤدي الى اضعاف سياسات التنمية المستدامة وتعريض البنية المجتمعية لحالة من الاضطراب والضعف وتفشي الفساد، لأن المخدرات هي البوابة الواسعة لإفساد الافراد والمؤسسات والمجتمع.
كما أن استمرار هذه الظاهرة سيؤدي بشكل مباشر الى اضعاف قدرة الحكومة وكافة الشركاء على تحقيق غايات وأهداف التنمية المستدامة 2030 ذات العلاقة، ومن بينها  الغايـة الثالثة من الهدف الخامس التي تتعلق بموضوع تعزيــز الوقايــة والعلاج مــن تعاطـي مـواد الإدمـان، ستكون غير قابلة للتحقيق، خاصة مع اتساع تأثيرات وتداعيات تعاطي المخدرات والادمان عليها على باقي الجوانب الصحية للأفراد والمجتمع وخاصة التهابات الكبد الفيروسية، ونقص المناعة المكتسبة وارتفاع معدلات الاصابة بالإيدز  وكل ما تسببه هذه الأمراض من ويلات على الافراد والاسر والمجتمعات التي تبلى بها.


تحذير دولي
في سياق مواز تحذر الجهات الدولية من خطورة تنامي هذه الآفة على المستويين الاقليمي والدولي، وتفاقم الخسائر الناجمة عن تداعياتها الصحية على مستوى الافراد وكذلك اضعاف قدرة الحكومات على تحقيق العديد من الغايات ضمن أهداف التنمية المستدامة، وخاصة ما يتعلق بالخسائر الكبيرة لعدد من السنوات الصحية للشباب وفقدان قدرات انتاجية، وكذلك ضعف البنية الصحية للمجتمع وتفشي الجريمة المنظمة، والشكل التالي يوضح بعضاً من تلك الخسائر وفق ما ورد في تقرير مكتب الامم المتحدة المعني بالمخدرات لعام 2017.
   

"حملة وطنية دائمة"
آفة المخدرات.. قضية أمن مجتمع من الدرجة الاولى، تتطلب من كافة الشركاء الوقفة الجادة لمراجعة السياسات المتعلقة بالتوعية بالمخاطر وسبل المواجهة، ومراجعة لسياسات المعالجة والمواجهة التي تقوم بها الاجهزة والجهات المعنية على المدى القصير والمتوسط والبعيد، مراجعة متعمقة لأسباب استمرار هذه الآفة بالتوسع والانتشارفي مجتمعنا، والخيارات والسياسات المبكرة التي من شأنها أن تساعد على حصار الآفة والانتصار عليها، بما يحقق العوائد ويحمي المجتمع والموارد الوطنية من الهدر والضياع خلف الادمان ومعالجة الاضطرابات الناجمة عنه.
أخيراً ينبغي القول بأن النجاح في محاربة ظاهرة المتورطين في الترويج والاتجار او تعاطي المخدرات لا تتم بين عشية وضحاها، ولا يتم أيضا من خلال إلقاء المسؤولية على الجهة الامنية لتقوم بكل شيء، ولا يمكن ان يتم فقط من خلال الندوات والمحاضرات التي تقوم بها الجهات المختصة، لأن تنوع مصادر الوصول للمخدرات، وتنوع طرق الترويج والاتجار، وتنوع المتورطين من مناطق وفئات عمرية متنوعة وغير ذلك من الخصائص، يخلق تحديات كبيرة ومتجددة، والمواجهة تتطلب تضافر جهود كافة الجهات، الحكومية، والاسرية والمجتمع المدني لخلق أكبر تحالف ضمن "حملة وطنية دائمة" لمواجهة ظاهرة المخدرات ومحاربة أسبابها وبناء ثقافة مجتمعية تحارب الترويج للمخدرات وتحاصر المتورطين بها وتتعاون مع الجهات المعنية لحماية الحاضر والمستقبل الفلسطيني.