مجلس بلدي غير شرعي

نبض الحياة .. عمر حلمي الغول

الفشل في إدارة حياة الناس سمة اساسية لفروع التنظيم الدولي لحركة الإخوان المسلمين في كل الدول، التي تولوا فيها الحكم عبر الانقلاب المسلح، كما حصل في قطاع غزة، أو عبر السطو والتهديد والوعيد والابتزاز للقائمين على العملية الديمقراطية، النموذج المصري، أو حتى عندما منحتهم الجماهير صوتها وثقتها النموذجين التركي والتونسي، لم يتمكنوا من إدارة شؤون البلاد، ومع ان النموذج التركي شكل حالة متقدمة في التجربة الإخوانية، وحقق نجاحات نسبية قرابة العقدين ارتباطا ببراغماتية قيادة الفرع هناك، غير انهم وصلوا إلى الطريق المسدود. 
ويمكن الجزم أن العامل الأساس الذي أدى للفشل، هو العامل الذاتي، دون التقليل من دور العامل الموضوعي المرتبط بدور القوى الوطنية والقومية والديمقراطية والشارع الشعبي عموما المتناقض مع أهداف وغايات الجماعة. ومن خلال قراءة تجربة فروع جماعة الإخوان المسلمين، التي كتب عنها قيادات إخوانية ممن ما زالوا جزءا من اتباع التنظيم الدولي، أو من خلال الجزء الآخر الذي ترك، ودون تجربته وقراءته لمسيرة الفرع الذي عاش بين ظهرانيه ووسط صراعات تياراته. إذا يعتبر العامل الداخلي، هو الأساس لاصطدام الفروع والجماعة عموما بطرق مسدودة، لأن البناء الأساسي العقائدي للجماعة، أولا لا يمتلك رؤية برنامجية لإدارة الحكم؛ ثانيا غياب التجربة في الحكم؛ ثالثا شخصنة الصراعات، والسعي للاستئثار بمقاليد الأمور؛ رابعا انفلات مظاهر الفساد السياسي والأخلاقي والقيمي والمالي والأمني؛ خامسا رفض الخيار الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة بشكل عام، وإن كان فرعا تركيا وتونس استجابا لواقع وخصائص التجربتين في البلدين. ولكن عندما هددت التجربة الديمقراطية مكانة فرع الجماعة في الانتخابات البلدية، كما حدث في بلدية إسطنبول آذار/ مارس الماضي  2019، حاول حزب العدالة والتنمية تعطيل العملية الديمقراطية بكل الوسائل، إلا انه فشل؛ سادسا ارتهان الجماعة لأجندة مخابراتية دولية معادية لمصالح الدول والشعوب الوطنية والقومية، مع ان فروعها تمارس الغوغائية والديماغوجيا الدعاوية الكاذبة عبر رفعها شعارات "وطنية" و"اجتماعية" و"قيمية" براقة، غير انها بعيدة كل البعد عن دلالات الشعارات. 
ما تقدم له عميق الصلة بتجربة التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين عموما، ولكنه ينطبق على الفروع جميعا، والفرع الفلسطيني خصوصا، الذي احببت ان اسلط الضوء على تجربته (حركة حماس الانقلابية) في محافظات الجنوب الفلسطينية، والتي منذ سيطرت على مقاليد الأمور بانقلابها الأسود على الشرعية الوطنية، وهي ترفض وتعطل إجراء الانتخابات، مطلق انتخابات مهما كانت محدودة، مع ان الذي يسمع مواقف وتصريحات قياداتها جميعا، وهم ينادون بالانتخابات، ويعلنون جاهزيتهم لها، يعتقد انهم صادقون، وهم ابعد ما يكون عن هذا الخيار، لأنهم لا يقبلون القسمة على العملية الديمقراطية إلا لمرة واحدة. ثم يبدأون بالحديث عن الحكومة الربانية، والخلافة .. إلخ بسبب خشيتهم الشارع بعد افتضاحهم، وانكشاف وجههم الحقيقي المتناقض مع روح الوطنية الفلسطينية. 
وآخر مثال على رفضهم للانتخابات، هو ما قامت به قيادة الانقلاب من تعيين  لمجلس بلدي مدينة غزة من الأتباع والأعضاء المنتسبين لفرع الجماعة في فلسطين، وجميعهم لا يملك الأهلية الشخصية، ولا الوظيفية، ولا المصداقية بين الجماهير، ولا الأمانة، وحتى لو افترضت غير ما ذكرت، فإن معيار وقيمة وأهمية اي مجلس بلدي تأتي بالانتخاب الديمقراطي، وصناديق الاقتراع. ولكن لأن حماس لا تثق بالشارع الفلسطيني عموما وفي القطاع خصوصا لجأت لخيار تنصيب مجلس بلدي فاسد، وغير مؤهل.  
ولو كانت حركة حماس معنية بالعملية الديمقراطية لفتحت الأبواب أمام الحكومة الشرعية، ووزارة الحكم المحلي للإشراف على انتخابات المجالس البلدية في قطاع غزة، كما فعلت الوزارة قبل ايام غير بعيدة في الضفة، عندما استكملت في العديد من البلدات والقرى الانتخابات المحلية. لكن حركة الانقلاب رفضت ذلك أكثر من مرة، ولجأت لتعيين أزلامها وزمرها وعملائها من الصغار والمرتشين، الذين باعوا ضمائرهم بأبخس الأثمان. مما اثار ردود فعل شعبية وفصائلية وبين النخب، وأعلن الجميع رفضه للمجلس المعين، واعتبروه مجلسا غير شرعي، ومغتصبا للبلدية، الأمر الذي يفرض على القوى والجماهير مقاطعة المجلس وقراراته وإجراءاته، وكل ما يصدر عنه جملة وتفصيلا، وملاحقة اعضاء المجلس امام المحاكم والقضاء للطعن في اهليتهم بكل المعايير حتى يسقط، ويغرب إلى غير رجعة عن البلدية، ويحل محله مجلس بلدي منتخب من قبل الشعب وتحت إشراف وزارة الحكم المحلي الشرعية.
oalghoul@gmail.com