"وفي مكة أيضا صلينا على الإسفلت"

 

مكة الكرمة-أمجد التميمي-موفد الحياة الجديدة- هناك عند واد غير ذي زرع، توافدت الجموع الحاشدة كنهر بشري من كل حدب وصوب، قاصدة الحرم المكي الشريف لأداء صلاة الجمعة.

مهابة الموقف تخضع النفس البشرية للمواجهة مع الذات، وتجردها من متاع الدنيا وغرورها، حيث يتساوى الناس، لا ميزة لأحد على أحد، ولا فضل لغني على فقير ولا لعربي على أعجمي؛ ولا لأبيض على أسود.

هنا في أقدس بقعة على الأرض، التقوى هي الميزان والخشوع سمة المكان، والأكف التي ترتفع بالدعاء هي الإشارة.

على اتساع ساحاته وعرصاته، وعلى الرغم من مشاريع التوسعة المستمرة، إلا أن المكان ضاق بالجموع، والطرقات أغلقت أمام المركبات من على مسافة بعيدة من الحرم المكي الشريف.

تجلس لصلاة الجمعة على الإسفلت، فالمكان على رحابته امتلأ بالمصلين، كيف لا وأنت في موسم الحج، يحاذيك من اليمين حاج قدم بشوق من النيجر، وعن شمالك مسن قدم من بلاد القوقاز قاصدا البيت العتيق، وأمامك شاب من بلاد الصين فرد سجادته على الإسفلت للصلاة يبغي مرضاة الله؛ وخلفك هندي وإلى جانبه أوروبي أشقر ملون العينين، وذاك من تايلاند وآخر جزائري يبثك قبل رفع الأذان عشقه لفلسطين.

ينتظر المصلون براحة وطمأنينة خطبة الجمعة، غير مبالين بحرارة الجو، وقسوة الإسفلت سعيدون لتمكنهم من الصلاة في الحرم المكي، أما أولئك الذين حجزوا مكانهم في صحن الطواف حول الكعبة فهم من أصحاب الحظوظ.

في هذا المشهد الأثير يتوحد الحرم المكي الشريف، مع شقيقه المسجد الأقصى الذي يحرص المسلمون على أداء الصلاة فيه، وإن أيضا افترشوا الإسفلت والأرصفة والأزقة والأسواق العتيقة،  وذلك لفضل الصلاة فيه ولقيمته العظيمة، مع اختلاف الظروف الموضوعية لكلا المسجدين.

يقول الحاج محمد المختار حسن القادم من النيجر: "لا استطيع أن اعبر عن مدى سعادتي وأنا أصلي الجمعة في جنبات الحرم المكي الشريف، حتى على الإسفلت فكل مكة حرم".

ويضيف: "درجات الحرارة في السعودية أعلى بكثير منها في النيجر رغم أن الأخيرة دولة إفريقية، ونخفف من حرارة الجو بشرب ماء زمزم المتوفر بكثرة في الحرم المكي".

ويأتي محمد المختار وحيدا إلى الحج للمرة الثانية، معربا عن أمله بأن يتمكن من إحضار زوجته معه للحج في سنوات قادمة، مشيرا الى عدم مقدرته على احضارها بسبب ارتفاع كلفة الحج التي تعادل 4000 (أربعة آلاف دولار أميركي) للشخص الواحد. كما يأمل محمد المختار بأن يتمكن يوما من زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه لنيل فضلها.

ويقول الزميل عطا الله دولات، من تلفزيون فلسطين عضو البعثة الإعلامية الرسمية، إن مشهد الصلاة على الإسفلت في محيط الحرم المكي الشريف يذكرني بالصلاة على الإسفلت في جنبات المسجد الأقصى عندما يكتظ بالمصلين خاصة في شهر رمضان الفضيل، وهو من المشاهد التي ترسخ في الذاكرة ولا تمحي.

ويوضح دولات أن المسجد الأقصى لولا الاحتلال الاسرائيلي الذي يشدد الحصار عليه لرأيت جميع الطرقات المحيطة به مكتظة بالمصلين في كل صلاة يوم جمعة. ويتابع "للحرم المكي الشريف؛ وللحرم النبوي الشريف؛ وللمسجد الاقصى مكانة عظيمة في قلب كل مسلم، فهي فعلا مهوى القلوب ومحط الانظار".

يبقى أن نقول للشاعر الفلسطيني الشاب تميم البرغوثي: "وفي مكة ايضا صلينا على الإسفلت".