كفر قدوم.. لا تأكلها النار أبداً

سؤال عالماشي- موفق مطر

لم يعمل مواطن من سكانها في المستوطنات الاسرائيلية، ولا في أي مكان في اسرائيل حتى.
حوالي ألفي مواطن من سكانها الـ (4000) نسمة اصيبوا بجراح منهم مئات بالرصاص الحي، ومنهم مئات بالرصاص المعدني المغلف، ومنهم مئات بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط ومئات بحالات اختناق نتيجة الغازات الحارقة للرئتين والخانقة والمسيلة للدموع، ومئات اعتقلتهم قوات جيش الحرب الاسرائيلي. 
قدمت البلدة 56 شهيدا منهم 46 شهيدا في صفوف الثورة الفلسطينية المعاصرة التي اطلقتها حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح منذ العام 1965 فيما سجل العشرة الآخرين سبق الدخول في سجل الشرف الذي تفخر به البلدة وتفخر به كل فلسطين.
ثلاثة آلاف يوم، أي ثماني سنوات ونيف بلغ عمر مسيرتهم الوطنية وهي الأحدث في سجل كفاح أهل هذه البلدة الفلسطينيين ضد الغزاة المحتلين والمستعمرين الاسرائيليين العنصريين، فيها الشباب رجال أشداء، وشابات يحملن رسالة العلم، انهن الأصل لشعب طيب الأعراق، وفيها الرجال بروح وعزيمة الشباب، أما النساء فيها فإنهن أمهات صابرات يكفي أن نلقبهن بالفلسطينيات.
إنها كفر قدوم الفلسطينية الشاهدة على تجدد نواة حركة التحرر الوطنية الفلسطينية، هنا في شوارع كفر قدوم تتجسد مفاهيم المقاومة الشعبية، بمبادئها وأهدافها وتنظيمها الذي يعتبر أهم مقومات صمودها واستمراريتها. 
هنا في كفر قدوم اتقن الشباب لغة تواصل خاصة مع أجدادهم شهداء الثورات الفلسطينية، وشهداء الثورة المعاصرة، طوروا أبجدية النضال الوطني، ومنحوها خصوصية لو أمعنا النظر في جذورها لوجدناها امتدادا طبيعيا، لكنها نضرة قوية متماسكة لا تنقطع، ولا تجف، حتى الفولاذ على مرونته قد ينكسر اذا لامس جذور شجرة كفر قدوم الوطنية النضالية، فهنا جذور فلسطينية وجذع وفروع تقطع ولا تنقطع.
كفر قدوم لا تثأر، ولا تتوعد، ولا تهدد، متحررة من الانتماء العشائري او العائلي، فكل الانتماء هنا للوطن، لحركة التحرر الوطنية الفلسطينية التي اطلقت ثورة فلسطين المعاصرة في الفاتح من كانون الثاني من العام 1965.
هنا في كفر قدوم يتلمس المرء منهجا وطنيا منظما، وتنظيما جسد معنى ديمومة الثورة، وموءامة أساليبها وأدواتها مع الواقع والظروف، فكفر قدوم خلية حركية وطنية تنظيمية لكنها بحجم بلدة (4) آلاف مواطن، كل واحد منهم يعرف مهمته ودوره.
الصغار في السن تراهم كبارا بمعنوياتهم وحيويتهم ورغبتهم في الانخراط في صفوف الشباب والرجال، فيما يحرص الكبار على الأطفال والفتيان من الوقوع  في شراك وأفخاخ الموت والجراح.
جنود وضباط الاحتلال يتخذون شوارع البلدة وأسطح بعض منازلها والتلال المجاورة كميادين تدريب عملية حقيقية على التصويب والقنص.. أما أهدافهم الثابتة والمتحركة فهم شباب البلدة وأطفالها ورجالها، ويستطيع الباحث عن الحقيقة التأكد من صحة ما كتبنا اذا اعطى لنفسه فسحة لمراجعة صور فيديوية وتلفزيونية عن مسيرة كفر قدوم في وسائل الاعلام الفلسطينية والعربية والدولية، فالمحتلون الغزاة المشبعون بتعبئة عنصرية، يسعون لاثبات مهاراتهم في الرمي عبر القتل العمد، حتى بات ارتكاب جريمة الحرب بالنسبة لهم كمن يلعب (الببجي) وكم من مرة رأينا ضباطهم يوجهون جنودهم ويشيرون بالسبابة الى هدف مقصود الذي هو في هذه الحالة طفل او شاب يصير بعد لحظات ضحية.. وهذا ما فعلوه عندما اطلق احدهم رصاصة متفجرة على رأس الطفل عبد الرحمن اشتيوي 9 سنوات الذي كان يلعب أمام باب بيته.
جريمة حرب اسرائيلية في كفر قدوم.. فهنا جندي اسرائيلي معبأ بأحقاد وكراهية وعنصرية اطلق رصاصة متفجرة على رأس طفل بريء. فسالت دماؤه ورسمت خيوطا ودوائر متشابكة على الطريق، لا يهم أي طريق لأن كل طريق عند الفلسطيني الوطني تؤدي الى الحرية الى القدس الحرة العاصمة الأبدية.
مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (بتسيلم) نشر تقريرا مفصلا عن نتائج تحقيقاته حول جريمة اطلاق النار على الطفل اشتيوي نسخنا بعض سطوره التالية:"إن إصابة الطفل شتيوي (9 سنوات) هي نتيجة مباشرة لسياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون التي يطبّقها الجيش في الأراضي المحتلّة والتي تسمح دون أيّ مبرّر بإطلاق الأعيرة الناريّة على فلسطينيّين لا يشكّلون خطرًا على أحد. لم تتغيّر هذه السّياسة رغم ثبوت نتائجها الفتّاكة إذ راح ضحيّتها عشرات القتلى وآلاف الجرحى من الفلسطينيّين".
اذًا نحن أمام تفسيرين، الأول انفلات جيش الاحتلال، وهذا أمر بديهي خاصة مع بلوغ التعبئة السياسية ذروة العدائية للانسانية وقيمها، ويتم رفعها على قوانين عنصرية ما يعني مسؤولية المشرع الاسرائيلي في الكنيست، ومسؤولية حكومة دولة الاحتلال مجتمعة عن جرائم الحرب  والجرائم ضد الانسانية، فالذي يسن قوانين عنصرية تغتصب حقوق الفلسطينيين داخل الخط الأخضر ويعتبرهم مواطنين درجة ثالثة، فانه لن يوفر فرصة ارهاب الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ حزيران 1967 عبر سفك الدماء لوأد فكرة الحرية والتحرر والاستقلال، والانتصار لحقوقهم في الحياة والحرية في دولة مستقلة ذات سيادة.
التفسير الآخر أن رئيس حكومة دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو– قائم بأعمال وزارة الحرب- معني بدفع الفلسطينيين الى اليأس من منهج المقاومة الشعبية السلمية، ثم ادخالهم في مربع ردود عنيفة دموية، التي يراها نتنياهو وقادة جيشه الفرصة السانحة للامعان وتوسيع دائرة القتل والتدمير، وهذا ما يجعلنا نعتقد بتفاهم بين المستويات السياسية والعسكرية والقضائية لتنفيذ هذا المخطط، ولكن في كل الأحوال، فان جرائم جنود وضباط جيش الاحتلال انعكاس طبيعي للعقل الاجرامي الناظم لقرارات وسلوكيات ومفاهيم منظومة تل ابيب العنصرية. الطفل عبد الرحمن اشتيوي يصارع الموت، حبا في حياة ارادها له والداه، ونريدها لأطفالنا، لكن كفر قدوم كانت أول امس برهانا ساطعا على تبخر خطط وامنيات نتنياهو وجنرالات جيشه وحاخامات المستوطنين، وعلى عجزهم في اخضاع هذا الشعب واذلاله.
كفر قدوم نموذج يحتذى به للمقاومة الشعبية السلمية المنظمة المنضبطة، ونموذج للروح  المعنوية والارادة الوطنية المتجددة، هنا في كفر قدوم شباب ورثوا منهج افتداء الوطن، لكنهم يطبقونه بانسجام تام مع منهج قيادتهم السياسية، التي تخوض المعارك في ميدان القانون الدولي، قيادة الرئيس أبو مازن التي طلبت من كل الفلسطينيين الذين ارتكب المحتلون والمستعمرون جريمة بحقهم ان يسارعوا لرفع  دعاوى قضائية على المسؤولين المباشرين وغيرهم في منظومة جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية في دولة الاحتلال اسرائيل، فان كان الطفل عبد الرحمن اليوم فمن قبله كان الطفل المقدسي محمد أبو خضير الذي احرقه المستوطنون حيا، وكذلك عائلة الدوابشة التي احرقوها ولم ينج الا طفل برحمة الخالق، وكذلك ابادة عائلات فلسطينية بأكملها في غزة، فنحن نعلم حجم الجحيم الذي يريدون احراقنا فيه، لكننا نعلم ايضا اننا قوة الحق والحقيقة الأبدية على ارض وطننا فلسطين التي لا تأكلها نار أبدا.