هوية ممزقة بين المسميات

حنان باكير

التاريخ ليس مقدسا، والمؤرخون ليسوا أنبياء. وفي أغلب الأحيان يكون صناعة. عندما أعلن بن غوريون قيام كيانه، جمع الكتاب والمثقفين وقال لهم" أنا صنعت لكم دولة، وعليكم كتابة تاريخ لها"! ومنذ ذلك الحين بدأت الفبركات التاريخية، التي تتمدد وتتغير وتتلون بحسب الظروف وتغير المعطيات.
بداية قامت "اسرائيل" على أساس ديني مبني على وعد الهي  بإعطائهم أرض فلسطين. مستشهدين بآيات من العهد القديم، لتثبيت وشرعنة احتلال فلسطين. ومن خلال التطور المعرفي والمنطقي خلال العقود الأخيرة، والتسارع التكنولوجي، والإنفتاح المعلوماتي، لم تعد تلك المقولة منطقية تقنع حتى أصحابها! فهذا بن غوريون، ومنذ البداية، يعترف لناحوم غولدمان، بأن هذا الوعد الإلهي يعني اليهودي فقط، ولا يُلزم الآخرين باعتناقه! أورد غولدمان هذا الحوار مع بن غوريون في مذكراته! 
ثم كانت المحرقة النازية، لتضيف أساسا وسببا آخر لقيام دولة يهودية في فلسطين، وأيضا بن غوريون، وخلال الحوار ذاته، قال بان الهولوكست، لا تُشكل أساسا منطقيا لوجودهم في فلسطين، فالعرب هم أول من أدانوا المحرقة، واعتبروها جريمة شنعاء، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يُخل الألمان منطقة اللورين لإقامة دولة يهودية!! في وقت مبكر جدا، أدرك الرعيل الأول من قادة الصهيونية بخطل الأسس التي اتخذوها حجة للإستيلاء على أرض فلسطين!
ثم بدأ مسلسل التزوير والتحريف للتاريخ، واختلاق الأكاذيب البعيدة عن المنطق. بُدئ البحث عن مسببات وأسس أخرى لتشريع وجود دولة غريبة الوجه واللسان والثقافة، لإقحامها على المنطقة. وكانت البداية، حرب أسماء وتسميات. احتفظ المغتصب بأسماء الأماكن الكنعانية القديمة، بدلا من التسميات الجديدة، لإعطاء أنفسهم بعدا تاريخيا، أكثر قدما من الوجود الفلسطيني، في المنطقة، فأورشليم وهو الاسم الأقدم هو تسمية كنعانية، وليست عبرانية.. وجرى الترويج على أن لا شيء في التاريخ كان يُدعى فلسطين أو فلسطينيين! وللأسف أن جوقة الطبالين والزمارين من بعض المتثاقفين الجهلة من العرب، بدأوا يروجون تلك الأكاذيب! رغم أن العهد القديم يحفل بتلك التسميات التي ينكرونها. 
كتبتُ ومنذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، اعتراضي على تسمية أهلنا الذين بقوا وتجذروا في أرضهم بـ "عرب اسرائيل"، فالمحتل لا يحاشرك على عروبتك، إنما على فلسطينيتك، على اسمك وهويتك الخاصة، بما هي جزء من هويتك العربية.. قال مناحيم بيغن: "إذا استخدمت كلمة فلسطيني بالنسبة للعربي، فإن هذا يستدعي منك التسليم بأن هذه الأرض هي فلسطين، وإذا كانت كذلك فهذا يعني أنها فلسطين وليست أرض إسرائيل، وبالتالي ماذا نفعل نحن هنا.."!
ولإظهار المزيد من الاندماج، في البيئة الفلسطينية والعربية، قام الاحتلال الصهيوني على سرقة التراث الفلسطيني، بكل أشكاله، من الطعام كالحمص والفلافل وحتى الكسكس المغربي، وسرقة المطرزات والملابس الفولكلورية، والدبكة الفلسطينية، فتقمص المحتل شخصية المحتلة أرضه لتكتمل عملية السلب!
ولم يغفل المحتل، عامل الآثار القديمة التي تحكي حكاية شعب عاش على تلك الأرض لآلاف السنين. لم يعثر علماء الأركيولوجيا الإسرائيليين على آثار عبرية، فأصدروا تقريرهم النهائي، في تسعينيات القرن الماضي. يشير التقرير الى عدم وجود آثار عبرية وأن على أحبار اليهود إعادة كتابة كتابهم المقدس.. ومن هنا بدأ مسلسل تهويد الأماكن التاريخية والدينية لتغيير معالم حضارة كنعانية امتدت لآلاف السنين قبل الديانات الإبراهيمية الثلاث. فتغيير أو تدمير المعالم التاريخية هو حرب ثقافية ورفض ونفي لوجود أصحابها.
تحفل وسائل التواصل الاجتماعي على صور لوثائق تدحض المزاعم الإسرائيلية. صورة تأشيرة للشاب شمعون بيريس، لزيارة فلسطين مع التعهد أو القسم بالوفاء وعدم المساس بأمن فلسطين! إضافة الى صور لتأشيرات دخول الى فلسطين، لشخصيات أوروبية. وبعد فشل كل الجهود لطمس اسم فلسطين، قامت غولدا مائير بالادعاء أنها هي نفسها فلسطينية، وتحمل جواز سفر فلسطيني!!! 
ونأتي الى آخر الصرعات في محاولات نفي الفلسطيني من التاريخ والجغرافية. نتنياهو يدعي أن أصل الفلسطينيين من أوروبا! فالتحليلات الجينية التي صدرت عن مختبرات مخيلته، أي نتنياهو، أثبتت له أن الفلسطيني عرقيا هو أوروبي المنشأ! وما علينا الآن، إلا انتظار المزيد من الأوهام والتلفيقات لتبرير علة الاحتلال، وشعبنا سيبقى يقاوم كل عوامل الإبادة من شطب للذاكرة، وإنكار للتاريخ، وتشويه صورة الإنسان الفلسطيني، وحتى إبادته جسديا. وفي "ورشة البحرين"، وبالتفاف الشعب، حوله قياداته، أفشل آخر المحاولات، للنيل من فلسطينيته، التي لا يساوم عليها ولا بكنوز الأرض والسماء..