أين أوروبا؟

باسم برهوم

صحيح ان ما لحق بنا كشعب فلسطيني من ظلم ولا يزال تتحمل مسؤوليته أوروبا، وصحيح ان معظم مشاكلنا نحن العرب مردها أو جذرها يعود لأطماع وسياسات أوروبية استعمارية، فهي من مزقتنا إربا وأعطت وطننا فلسطين للصهيونية العالمية. ولكن أوروبا تغيرت كثيرا وبالمقابل سلمت قيادة مشروعها الاستعماري في المنطقة الى واشنطن.
وصحيح ان لأوروبا مصالح حيوية في المنطقة كما تواجه فيها تحديات ومخاطر وخصوصا في السنوات الأخيرة خطر الهجرة المتزايد. ولكن هناك تاريخ عميق في القدم من التبادل الحضاري، وقدر كبير من الصراعات وتلاقي المصالح.
بالنسة لموقف الاتحاد الأوروبي من القضية الفلسطينية هو في تطور مستمر وهو جيد جدا في زمن تهور إدارة ترامب وتصرفاتها التي تضرب بعرض الحائط تقاليد العلاقات الدولية والقانون الدولي. إلا أن المشكلة هي في ان أوروبا لا تترجم موقفها هذا الى افعال جدية، كما لا ترغب بالدخول في مواجهة مع ترامب، فالمواجهة مع هذا الرئيس قد تكون مكلفة من وجهة نظرها.
بالإضافة الى ذلك فان الاتحاد الأوروبي منشغل في مشاكله الداخلية المستعصية، في مقدمتها الحفاظ على الاتحاد ومواجهة خروج بريطانيا، والمسألة الأهم مواجهة صعود التيارات اليمينية التي تشكل تهديدا جديا للاتحاد، وإمكانية ان تعيد أوروبا الى زمن الصراعات على المصالح والنفوذ، أَي ان تعيد أوروبا الى زمن دورها الاستعماري القديم.
ومن يراقب الموقف الأوروبي من قضية الملف النووي الإيراني يلمس مدى تآكل وضعف دورها على الساحة الدولية، فلا هي قادرة على إقناع إيران بعدم انتهاك الاتفاق ولا هي قادرة على مواجهة إدارة ترامب ودفعها الأمور نحو التأزم. 
وبما يخصنا، اقصد نحن الفلسطينيين، وبالرغم من تقديرنا للموقف الاتحاد الأوروبي وتمسكه بمبدأ حل الدولتين وبمرجعيات عملية السلام المستندة للقانون الدولي، اضافة لانتقاده الواضح لخطوات إدارة ترامب الانفرادية ومن صفقة القرن وورشة المنامة، الا ان هذا الموقف لم يأخذ قيمته الفعلية ووزنه الضروري في محاولة لجم التهور الأميركي حتى الآن.
هناك رافعة للموقف الأوروبي هو موقف القيادة الفلسطينية وموقف الشعب الفلسطيني الصلب في رفض "صفقة القرن" ومجمل خطوات ادارة ترامب بخصوص القضية الفلسطينية. صحيح ان ضعف الموقف العربي الرسمي يمكن ان ينعكس سلبا او ان يستغل اوروبيا للتهرب من اية مواجهة مع إدارة ترامب، الا ان أوروبا ذاتها كما يبدو ليست في وارد ان تقوم في هذة المرحلة على الأقل بأي دور حقيقي وفاعل في المنطقة المليئة بالأزمات، فهي لديها ما يكفيها من مشاكلها الخاصة وفي علاقاتها الاقتصادية مع إدارة ترامب.
فالسؤال أين أوروبا لم يعد سؤالنا وحدنا، بل سؤال العالم أجمع وحتى سؤال الأوروبيين أنفسهم.