الفلسطينيات في المجالس المحلية .. تحقيق لـ "الكوتا" على الورق وتهميش للدور الحقيقي

56% نسبة المستقيلات من المجالس.. ومحافظة رام الله والبيرة الأعلى

مطلوب ثقافة تنوير ودعم "جندري" لإخراج المرأة من "تابوت" العمل الثانوي في المحليات 
عبير البرغوثي- الحياة الجديدة-  تشكل الانتخابات المحلية بوابة مهمة للمشاركة من قبل المواطنين في تنظيم وإدارة شؤون حياتهم اليومية، وبناء نموذج الحوكمة المحلية المناسب والقادر على تقديم الخدمات الأساسية وفق ما تنص عليه الأنظمة والقوانين والتشريعات  المنظمة لهذا المجال في حياة المجتمعات الحديثة. 
ولهذه الغاية اهتمت الحكومات و المؤسسات ذات العلاقة بموضوع الانتخابات المحلية وتوسيع مشاركة مكونات المجتمع في كافة مراحلها، لسببين مهمين، الأول يتعلق بالدور التنموي للسلطات المحلية باعتبارها تجسيد للحكومة المركزية على المستوى المحلي، والثاني يتعلق بمدى مشاركة النوع الاجتماعي في بناء المؤسسات والهيئات المحلية والبلدية، لما تمثله تلك المشاركة من علامة فارقة على مستوى نضج المجتمع ومستوى تفاعل كافة مكوناته مع متطلبات إدارة الشأن العام والمساهمة في عملية التنمية.
يمكن القول بأن التجربة الفلسطينية على مستوى الانتخابات البلدية تشكل واحداً من النماذج الجيدة على المستوى العربي والاقليمي، خاصة من حيث حجم ونتائج مشاركة النساء في العملية الانتخابية والمشاركة في عضوية المجالس البلدية رغم حداثة التجربة الفلسطينية بشكل عام، ورغم معوقات الظروف الناجمة عن سنوات الاحتلال ومعوقاته للحياة الفلسطينية بشكل عام.
ولمتابعة هذا الجانب المهم في المنظومة المجتمعية الفلسطينية , قمنا بعمل تحليل لآخر الأرقام والبيانات الصادرة عن لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية بهذا الشأن للوقوف على أهم الفجوات والتفكير بصوت عال بالحلول والتطوير المستقبلي لهذه الجزئية الهامة.

فوارق وفجوات تستحق وقفة
تكشف مشاركة المرأة في الانتخابات المحلية، العديد من الجوانب التي ينبغي على المراقبين والمتابعين التوقف أمامها من باب التحليل والتمحيص واستخلاص الدروس والعبر للاستفادة منها لتعزيز التجربة وتطويرها في القادم من الأيام.
وفي هذا الإطار يتضح من البيانات المصرح بها من قبل لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية, أن العدد النهائي للمرشحين الفائزين بعضوية المجالس البلدية بعد اجراء الاستبدال (أي تعيين عضو بديل عن العضو الذي استقال حسب النظام والإجراءات المتبعة في المجالس المحلية)  لعام 2018 بلغ نحو 3652 موزعين بواقع 21.2% اناث مقابل 78.8% من الذكور،  كما يتضح من الجدول التالي :


 

المصدر: لجنة الانتخابات المركزية – فلسطين

ويمكن القول بأن هذه النسبة تتفق مع ما نصت عليه المادة رقم ( 17) من قانون انتخاب المجالس المحلية رقم 10 لعام 2005،  الذي شدد على أنه يجب أن لا يقل تمثيل المرأة في المجالس المحلية عن نسبة
 (20 %) من العدد الكلي لأعضاء المجلس المحلي. واذا اعتبرنا ان نسبة الفوز من النساء تحقق الهدف المنشود حسب القانون، فان تجربة الانتخابات تكون قد حققت المطلوب رقمياً، بمعنى الوصول للمستهدف كنسبة، ولكن تحليل الواقع قد يكشف لنا ظروفاً وتوزيعات للمهام والمسؤوليات العملية أكثر دقة وشمولاً من مجرد الاكتفاء بالنظر الى النسبة العامة رغم أهميتها! .


استقالات نسوية وأدوار شكلية
وفي هذا السياق تشير البيانات المتاحة من نفس المصدر ولنفس الفترة اختلاف نسب الاستقالات من بين أعضاء المجالس البلدية،  فقد بلغت نسبة الاستقالات للإناث نحو 4.7% مقارنة بنسبة 3.7% للاستقالات لفئة الذكور من بين أعضاء المجالس المحلية، إلى جانب ذلك فقد تركزت نسبة الاستقالات بين الإناث على المستوى الاجمالي لعدد  وتوزيع المستقيلين  2017 – 2018  كما يتضح من الشكل التالي:
 


المصدر: بيانات لجنة الانتخابات المركزية – فلسطين

من جانب آخر يلاحظ ووفق بيانات ذات المصدر اختلاف اعداد ونسب الاستقالات الموثقة على مستوى المحافظات، حيث يتضح تركز معظم الاستقالات في محافظ رام الله مقارنة بغيرها من المحافظات في الضفة الغربية، والشكل التالي يبرز التوزيع:


 
                                      المصدر: بيانات لجنة الانتخابات المركزية – فلسطين

هذا يقودنا إلى أن التوزيع الجغرافي للمستقيلين من الذكور والاناث يتطلب المزيد من الدراسة والتحليل للتوقف أمام الأسباب خلف ذلك، سواء كانت أسباب ثقافية أو سياسية أو اجتماعية أو غير ذلك.

ومن هنا يلاحظ المتابع لشأن العملية الانتخابية بكل وضوح الفارق والفجوة بين الجهود التي تبذل للحصول على أصوات الناخبين وخاصة أصوات النساء عند بداية العملية الانتخابية، مقابل الجهود المبذولة للحفاظ على النساء في المقاعد الانتخابية، فجوة تعكس حتى الآن الاهتمام بالصوت الانتخابي على حساب الحضور الفعلي والحقيقي في أعمال ومهام وتقسيم الأدوار  داخل هيئة المجالس المنتخبة أو الفائزة بالتزكية.

واقع يتطلب التحليل المعمق لأسباب الاستقالات  والجهود التي بذلت لتجنبها، تحليل يتوقف أمام المبادرات والحلول التي تم اتخاذها لمساندة استمرارية المرأة في عضوية المجالس المحلية، ومساعدتها على الموائمة بين مهامها الاعتيادية ومتطلبات العضوية في المجلس، يتطلب دراسة معمقة لطبيعة التقسيم والمعاملة ضمن هيئة المجالس لدور المرأة، فهل هي عضوة للمهام العامة أو الشكلية أم عضوة فاعلة ؟ وهل تقسيم المهام والمسؤوليات داخل المجلس يقوم على اعتبارات نمطية موروثة بأن هناك مهاما للرجال وأخرى للنساء، ام ان تقسيم المهام والمسؤوليات يستند لمبدأ الكفاءة والقدرة  والطاقة؟.

منطق ذكوري وعادات بالية
ان تحليل واقع مشاركة المرأة في الانتخابات المحلية ووصولها لعضوية المجالس البلدية والقروية، يمثل موضوعاً مهماً، ليس فقط من باب تحليل النتائج التي تم تحقيقها، ولكن أيضاً للتعرف على الأسباب التي تدفع المرأة للمشاركة والأسباب التي تمنعها أو تحد من وصولها لمقاعد تلك المجالس، فمعرفة الأسباب  تعتبر نصف الطريق لوضع الحلول والمعالجات، وبالنظر الى هذا الجانب تتنوع أسباب ودوافع المشاركة بين الأسباب الشخصية والمهنية والسياسية، وصولا للدوافع العشائرية وفق مصالح واهتمامات المجتمع المحلي. ولكن المأخذ الكبير في هذا المجال انه تم التعامل مع المرشحات النساء بحكم الضرورة ضمن القوائم الانتخابية، بمعنى اجراء قانوني لاستيفاء شروط تسجيل وقبول القائمة وفق مقتضيات الأعداد والنسب اللازمة كحد أدنى كما نص عليها القانون، ولذلك كان الاهتمام يختفي من حيث دور المرأة الحقيقي في القائمة بعد استكمال اجراءات تسجيل القائمة،  ولعل المثال الصارخ على ذلك ترتيب الاسماء المرشحة في القوائم الانتخابية، حيث نلحظ عدم وجود اسماء نساء على رأس القوائم الانتخابية وغالبا يتم ذكرها في نهاية قائمة الاسماء، الامر الذي يدلل على ضعف الاهتمام الحقيقي منذ البداية وكذلك يؤشر على درجة الاهتمام  في حال الفوز في مراحل لاحقة، وهذه من المآخذ الكبيرة على القوائم الحزبية والسياسية.
الجانب الآخر الذي أسس لإضعاف واستقالة النساء من عضوية المجالس لاحقاً، انه منذ البداية تم تصميم اختيار النساء المرشحات انطلاقاً من علاقتها بالرجل وحسب مكانة الرجل بالعشيرة، ليس لكونها قادرة وتمتلك طاقة والإمكانيات، ولعل واحداً من الدروس التي ينبغي التوقف أمامها التحول الذي وصلت اليه بعض التجارب والممارسات، من قبيل استبدال اسم المرأة المرشحة بعبارة "زوجة فلان "  أو "أخت فلان"  او استخدام كلمة "أخت فلان"  الامر الذي يضعف منذ البداية مكانة ودور المرأة، وهذا يطرح تساؤلاً آخر من الذي قرر ذلك؟ وهل هو قرار نابع من وعي المرأة نفسها أم منطق الذكورة المتمثل ببعض العادات البالية التي تحاول البقاء على قيد الحياة؟
واقع حال المرأة الفلسطينية في عضوية المجالس البلدية والقروية يضع على الطاولة أهمية البحث عن حلول لمواجهة القضايا التي تضعف وتعيق "الجندرة" الحقيقية لعملية الانتخابات المحلية وكذلك استحقاقاتها على أرض الواقع، لان الانتخابات نصف الطريق، والنصف الثاني يتمثل بتوزيع المهام والأدوار والمسؤوليات ضمن عضوية المجلس والهيئات بين الفائزين، والتحدي الحقيقي لجدية العملية الديمقراطية على مستوى المجالس البلدية والقروية يبدأ من هناك، ونقطة الارتكاز تبدأ من اعادة مراجعة وتطوير القوانين والتشريعات واللوائح التنفيذية التي تنظم هذه العملية على مستوى الحكم المحلي وصولاً للموازنة الحساسة للنوع الاجتماعي وتطوير الاسس العميقة المسببة لضعف التوازن الجندري على مستوى الانتخابات وعضوية المجالس البلدية والقروية، وليس مخالفة للواقع اذا ما تم المطالبة بتطبيق مبدأ المناصفة في عضوية المجالس بين الرجال والنساء،  لان ذلك يتسق مع التمثيل السكاني على أرض الواقع، وربما ينقل موضوع المشاركة من سياقها الشكلي في العديد من المواقع الى المشاركة الحقيقية بحكم الوزن الذي تعطيه هذه العملية للتوازن المستند للتركيبة السكانية والدور التاريخي للمرأة الفلسطينية.

ثقافة تنويرية ودعم "جندري"
بوابة أخرى ينبغي التوقف أمامها للمراجعة والبحث من أجل التطوير تتمثل بالبعد التنويري والتثقيفي لحساسية النوع الاجتماعي وأهميته في الحياة الفلسطينية، وهذا محور مهم لأنه للأسف يعكس الاستغلال ضيق الافق لدور المرأة في المجتمع، لإنه استغلال يعتمد على موروث ثقافي وعادات تظهر للعلن في لحظات الضعف المجتمعي بشكل عام، فتكون في نظر العامة ربة بيت وعليها التقيد بذلك، وفي هكذا بيئة ينظر اليها بأنها مسؤولة لجنة الطفل والمرأة وغيرها من المواضيع البسيطة  ضمن تقسيم العمل في المجلس المحلي، حيث يتم تغليف هذا الموقف بتحليل طبيعة وشخصية المرأة وقدرتها على إدارة هذه الملفات، لإبعادها عن مسؤوليات العضوية الحقيقية، بالطبع هي نفس الصورة النمطية التي تعانيها المرأة في الجانب الآخر من المجتمع، إنها ذات العادات والأصنام الجامدة التي ينبغي تحطيمها بالفعل لا بالخطابات، نحتاج لثقافة تنوير تعزز أهمية دور الجميع في تحمل متطلبات حياة المجتمع المحلي، واطلاق حملات التوعية والدعم "الجندري" ومحاربة ثقافة التهميش لان بقائها سيبقي المرأة في تابوت العمل الثانوي حيثما حلت، وسيبقى البعض يحملون هذه العادات ويعبدون تلك الأصنام حتى لو لم يصرحوا بذلك.
ومن القضايا المهمة أيضا في هذا الجانب ضرورة العمل على الإبداع وتطوير القدرات بشكل متوازن بهدف تكريس العمل الجماعي في الهيئات والمجالس المحلية بما يضمن ويكفل احتياجات العضوات، فالتدريب والمشاركات في المهام الحقيقية الداخلية والخارجية ينبغي أن لا تقتصر على الأعضاء الذكور، وهذا ينبغي ان يصان تنظيمياً وقانونياً ضمن لوائح المجالس والرقابة الادارية من المؤسسات المعنية في الحكم المحلي المشرفة على عمل تلك المجالس، ينبغي تنظيم الجلسات ومواعيدها بما يضمن مشاركة الجميع ابتداءً من تنسيق مواعيد الدعوات للاجتماعات وجداول اعمالها وتوزيع مسؤوليات المتابعة عليها، وان لا يتم تفصيل المواعيد والمهام على مقاس ظروف المتاحين للاستفادة أو المشاركة فيها، وبالتالي على المجالس والجهات الرقابية التدقيق في ذلك، لأن المسؤولية تقتضي ازالة الاسباب والموانع التي تعيق مشاركة او استفادة العضوات وليس استخدام تلك المعوقات كمبررات للإقصاء والتغطية على عدم مشاركة النساء، لأن مواعيد الاجتماعات تكون في ساعات المساء وهذا قد يمنع العضوة من المشاركة لعدة أسباب وفي مقدمتها الالتزامات الأسرية . والمطلوب هنا التخلص من السيطرة  الذكورية التي تشكل بيئة غير داعمة للمرأة ، طاردة للإبداع والطاقات، بيئة لا تؤمن بالتنظيم والادارة المهنية المتوازنة، انها ادارة الاستغلال للظرف تحت مبررات واهية، وهذا محور مهم لتطوير ثقافة العمل المؤسسي من خلال قيام الجهات المعنية بالمراجعة واعادة النظر في هذه الجوانب وتقييم المراحل السابقة واتخاذ اجراءات التدخل ووضع تعليمات صارمة بشأن تكييف الترتيبات بما يضمن مشاركة الجميع على قدم المساواة.

ان النهوض بجوهر العملية الانتخابية على المستوى المحلي يخدم عملية البناء والتحول الديمقراطي للمجتمع، ويساهم بلا شك في تطوير كافة العمليات الانتخابية في الحياة السياسية، والاستثمار في هذا الجانب هو استثمار لبناء انسان ومواطن وموظف ايجابي، وهو تطوير لمنظومة حكم رشيد تبدأ من أول مكونات النظام السياسي ممثلة بالمجلس القروي البسيط، ولذلك فإننا مطالبون بتطوير القدرات والتدريب والتأهيل للنساء والذكور على قدم المساواة في مجال التعريف بالانتخابات المحلية ودور المجالس البلدية والقروية في تقديم الخدمات للمجتمع، فعضوية المجلس ليست لإثبات تواجد العشيرة  أو العائلة او الحزب، انها تنافس لتقديم خدمات لتطوير المجتمع المحلي.
واذا اردنا ان تكون الانتخابات القادمة تطوراً نوعياً وجوهرياً علينا العمل من الان على تأهيل مؤسساتنا وانظمتنا ولوائحنا التنظيمية لتجاوز نقاط الضعف، والعمل على تأهيل كوادر نسائية تعي اهمية وطبيعة العمل في المجالس المحلية، علينا اطلاق حملة وطنية لمحو الامية في مجال النوع الاجتماعي اللازم لتوازن الانتخابات المحلية، ومحاربة ثقافة الذكورية في تنظيم وادارة عضوية المجالس المحلية، انها عملية ادارية وقانونية وثقافية متكاملة، تبدأ من الأسرة ودورها في تنشئة ابنائها على المساواة والتكامل، وترتبط بدور المدرسة والمجتمع الاكاديمي بشكل عام لبناء الطلاب والطالبات لانهم قادة المستقبل، ويرتبط كذلك بدور المؤسسات الرسمية والقانونية لحماية كل ذلك من خلال منظومة عصرية للقوانين والتشريعات واجراءات صارمة لمعاقبة المخالفين او المتسترين بأغلفة ومبررات واهية لتكريس التمييز والتهميش والاقصاء، لان هكذا ممارسات لا تقصي المرأة من المجلس انها اقصاء لنصف المجتمع من المشاركة  والمساهمة الحقيقية في بناء مجتمعنا المحلي والذي هو ركيزة بناء دولتنا المستقلة.