فيديو.. السيدة الباقية في تل ارميدة

الخليل- الحياة الجديدة- خلدون البرغوثي- في شرفة متواضعة تتدلى وسطها أرجوحة، تدفع الحاجة هناء أبو هيكل، ابن شقيقها ليعوض المتعة التي حرمه جنود الاحتلال ومستوطنوه إياها في حي تل ارميدة بالخليل.

بوجه مستدير ونظارات ذات إطار أسود، لا يتوقع الجالس مع أبو هيكل للمرة الأولى، شدة إصرار هذه السيدة على خوض معركتها مع زحف المستوطنين مدعومين بسياسة حكومات الاحتلال المتتابعة.

على تلة صغيرة يتم الوصول إليها سيرا، بعد صعود بضع درجات وعبور حقل زيتون تطل عليه نقطة مراقبة عسكرية، تظهر بوابة منزل أبو هيكل، ومن تحت قطوف عنب لم ينضج بعد تجلس أبو هيكل في منزلها المقام عام 1959 لتروي معاناتها وتحديها للمستوطنين وجيشهم.

تقول هيكل مخاطبة مجموعة من الصحفيين الذين زاروها في منزلها ضمن جولة تنظمها وزارة الإعلام الفلسطينية إن قصتها مع الاحتلال بدأت مع شروع المستوطنين في إقامة بؤرة لهم في تل ارميدة في شهر آب عام 1984 بادعاء وجود أراض مستأجرة من قبل ما يسمى "حارس أملاك الغائبين".

وتتابع القول إن الأرض مستأجرة من أوقاف الخليل، فهي لا تخصهم (اليهود) أصلا، لكنهم يحاولون الاستيلاء عليها. وفي عام 1984 بدأت عملية الاستيطان بوضع أربعة "كرافانات"، وحاولوا الشروع بالبناء في عام 1994 لكنها تمكنت من وقف ذلك عبر مقاضاة المستوطنين.

وبدأت معاناة العائلة تتعمق في عام 2000 حين قطع المستوطنون والجيش الطريق التي كانت تستخدمها الأسرة وتوصلها إلى الشارع الرئيسي، لكن الأسوأ لم يكن قد حدث بعد؛ ففي عام 2003 سمح رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك ارئيل شارون لهم بالبناء، فقاموا بإنشاء مبنى على أرض تضم آثارا مخالفين بذلك حتى القانون الإسرائيلي، حسب قول أبو هيكل.

"وقبالة البناية الاستيطانية هذه أقيم معسكر للجيش، فبات مدخل المنزل محاصرا من بالمستوطنين من جهة وبالجنود من جهة أخرى، ولاحقا استولى الجنود على منزل آخر يخص عائلة البكري الأمر الذي جعل منزلنا محاصرا من قبلهم".

وعن أثر هذا الحصار الاستيطاني العسكري على أسرتها قالت الحاجة هناء بانفعال للصحفيين "أنتم لا تعلمون أهمية زيارتكم هذه، فعند سماع أبناء شقيقي أن صحفيين سيأتون إلى المنزل، ظلوا ينتظرونكم بلهفة".

وأوضحت "وجود الصحفيين يتيح للأطفال حرية الحركة مؤقتا لأنهم محبوسون بشكل شبه دائم في المنزل خوفا من اعتداءات المستوطنين والجنود.. وتواجدكم يحررهم من الحبس هذا لشعورهم بنوع من الحماية.. فنحن نعاني فقدانا تاما للأمن، حتى أننا نخشى أن نقطف العنب عند نضوجه، إذ لا تخلو المحاولة من مخاطرة التعرض لحجارة المستوطنين".

 

وتسكن الحاجة هناء وشقيقتها في الطابق العلوي ويسكن شقيقها وزوجته وأطفاله الخمسة في الطابق السفلي.

وتقول "لا أحد يزورني، حتى أقربائي لا يزورونني، ولهم مبررهم في ذلك، فبعضهم يقول بصراحة إنهم يخشون زيارتها بسبب المستوطنين والجيش، وآخرون يقولون إن وضعهم الصحي لا يسمح لهم بوصول المنزل سيرا لانعدام إمكانية وصول المركبات".

وتروي أبو هيكل قصة احتجاز جنود الاحتلال قبل بضعة أيام فتاة جاءت مع والدتها لزيارتها، لكنها ضلت مدخل المنزل واقتربت من طريق استولى عليها المستوطنون، فاحتجزها جنود الاحتلال أربع ساعات ويداها مقيدتان، قبل إطلاق سراحها.

وتساءلت الحاجة هناء "بعد هذه التجربة هل ستعود هذه الفتاة لزيارتنا مرة أخرى؟".

وتتابع "لقد تركت أنا وشقيقتي مصدر رزقنا، كان لدينا عملنا التجاري الخاص، لكننا اضطررنا إلى تركه وإغلاقه لأنه لم يعد بمقدورنا ترك المنزل دون حماية".

وفي حالة تعرض أحدهم لمرض أو إصابة ما، تستدعي النقل للعلاج تقول أبو هيكل إن منع الاحتلال هو سيد الموقف، وتضيف "كانت ابنتي في سنتها الرابعة عندما سقطت نافذة على يدها وكان إصبعها شبه مقطوع ودمها ينزف، لكن جنود الاحتلال منعونا من نقلها للمستشفى وقالوا إنهم لن يسمحوا بمرورها لو نزفت حتى الموت".

وتضيف "عند وفاة والدي رفض الجنود السماح لسيارة الإسعاف الوصول إلى المنزل لنقله من أجل دفنه.. فالجميع هنا يعاني حتى في المرض والموت".

ولا ينحصر تنكيل جنود الاحتلال بالعائلة في حالات المرض، بل يتعدى إلى كل مناسبة، فحين كانت ابنتها تقدم امتحانات الثانوية العامة قبل بضع سنوات، احتجزها الجنود وهي في طريقها للامتحان، وبعد مرور ساعات قالوا لها "الآن يمكنك الذهاب فقد انقضى الوقت المخصص للامتحان".

ولا توجه أبو هيكل أي انتقاد للمؤسسات الفلسطينية الرسمية وغيرها في حالة عدم التمكن من مساعدتها، وتقول إنهم يحاولون قدر استطاعتهم "ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها" لكن الاحتلال هو العقبة دائما.

وكمثال تقول "حاولتُ عبر البلدية رصف الطريق الترابية إلى المنزل بالحجارة لتجنب الغوص في الطين في فصل الشتاء، فرفضت سلطات الاحتلال ذلك بشكل مطلق".

ورغم صعوبة الوضع وقساوة التحدي الذي تواجهه الحاجة هناء إلا أنها تصر على التمسك بمنزلها وأرضها، وتقول "خضت المعركة على صعيدين، الأول قضائي في محاكم الاحتلال، وانقضت هذه المعركة بثلاثة أحكام لصالحي لم تنفذها سلطات الاحتلال، لذلك أسعى إلى مقاضاة قادة حكومة الاحتلال أمام المحكمة الجنائية الدولية، والصعيد الثاني هو فضح ممارسات الاحتلال ومستوطنيه عبر وسائل الإعلام، لكشف حقيقته ووقاحته".