الزبالة تعادل الذهب

هآرتس- بقلم: حيمي شليف

تصفح موقع "صحف يهودية تاريخية" لجامعة تل ابيب، هي تجربة مؤلمة، على الاقل للصحافيين. عدد صحيفة "معاريف" الصادر في 6 تموز 1979 تضمن ليس أقل من 167 صفحة مليئة بالاعلانات، اعلانات الوظائف والاعلانات الترفيهية، ومنها عدد لا يحصى من الصفائح العميقة لآلاف الكلمات عن الشؤون الجارية. وجميعها حملها "غوغل" وفيس بوك وقنوات التلفاز التجارية. برنامج البث التلفزيوني في "معاريف" في تلك الفترة، التي كانت فيها قناة واحدة، تضمن برامج تعليمية تم بثها حصريا طوال اليوم. في المساء، المعروف في وقتنا كوقت للمشاهدة، كانت في تلك الفترة برامج عن الطبيعة ومسلسلات اجنبية فاخرة وأفلام فرنسية نوعية وبرامج واقعية أصيلة مثل "موكيد" و "مباط 2" وبالطبع الاخبار مع حاييم يفين. كان هذا احتكاري ونخبوي، وحسب اقوال النقاد، ممل وبلشفي. ولكن مقارنة مع العصر الحالي الذي فيه برامج مثل "ماستر شيف" و"صراع البقاء" و"زواج من النظرة الاولى"، فهي تسحر الجمهور وتسيطر بشكل كامل. القناة الاولى في تلك الفترة ظهرت مثل جامعة اكسفورد.
الاستناد الى تلفاز اكثر عمقا أو رثاء "غباء الانتعاش الثقافي" ليس مجرد حنين للماضي. وحسب بحث نشر مؤخرا في المجلة الاقتصادية "امريكان ايكونوميك ريفيو" فان ملء التلفاز ببرامج ترفيهية وواقعية له تأثير مباشر وحاسم على التصويت المتوقع في الانتخابات: هي تقودهم الى تأييد المرشحين الشعبويين.
البحث الذي أجري في ايطاليا اثبت وجود علاقة مباشرة بين مشاهدة قناة "ميديا ست" لسلفيو برلسكوني المليئة بالتسلية الرخيصة والغمز الى العري، وتأييده في الانتخابات. ايضا مع حل حزبه السابق "بورتسا ايطاليا" في العقد السابق انتقل تأييد الكثيرين من ناخبيه مرضى الـ "ميديا ست" الى حركة الكواكب الخمسة البعيدة عن برلسكوني ايديولوجيا، لكنه تذهب في اعقابه في رسائلها البسيطة القابلة للاستيعاب والشعبوية.
تلفزيون ضحل لا يثير انحيازا لصالح اليمين بالتحديد، يؤكد الذين أعدوا البحث، بل لصالح زعماء كاريزماتيين وحركات سياسية، الذين ينجحون في تأطير مواقفهم في شعارات لا تحتاج الى تعمق وانتقاد وقدرة على التمييز.
حسب البحث، المجموعة السكانية التي تأثرت أكثر من أي شيء آخر بقائمة الهرب الناجحة لـ "ميديا ست"، هي مجموعة من الاشخاص البالغين فوق سن 55 سنة والشباب. البالغون تأثروا بالاساس من الانكشاف الطويل على نشرات اخبار "ميديا ست"، المنحازة لصالح برلسكوني، الامر الذي تدعمه ابحاث مشابهة اجريت في امريكا حول تأثير شبكة "فوكس" السياسي على من يؤمنون بها.
المعطى المدهش أكثر هو أن تأثيرات استثنائية أبعد من السياسة، مرتبطة بالشباب: حسب البحث فان شباب انكشفوا خلال سنوات على "ميديا ست" اظهروا قدرات معرفية فيها خلل مقارنة بأبناء جيلهم الذين لم يشاهدوا الشبكة. الانكشاف على تلفزة التسلية حولهم الى اكثر "ضحالة" من ناحية ثقافية ومعرفية". وبالتالي الى اشخاص اكثر تأثرا بالخطاب الشعبوي.
يصعب الهرب من المقارنة المطلوبة. نتنياهو انتخب للمرة الاولى لمنصبه بعد ثلاث سنوات على انتهاء الاحتكار لقناة واحدة وافتتاح بث القناة الثانية. السيطرة الكاملة لنتنياهو على السياسة الاسرائيلية والتي تشمل حتى الآن اربع حالات فوز متتالية في الانتخابات مع ميل الى التفوق في الحملة الانتخابية القادمة في شهر أيلول، تجري بموازاة السيطرة الكاملة على البرامج الواقعية البسيطة على عقول وقولب الاسرائيليين. "وسائل اعلام معادية" هي فقط رسالة اخرى من رسائله الشعبوية، عمليا هي صديقته المفضلة، وبدونها ربما يكون مستقبلة من خلفه، الزبالة من ناحيته تعادل الذهب.