النكبة لن تختفي

هآرتس – أسرة التحرير

لقد انطوت اقامة دولة اسرائيل على خراب المجتمع الفلسطيني الذي كان قائما هنا حتى 1948. مئات الاف الفلسطينيين اصبحوا لاجئين، دمرت قرى، صودرت اراضيهم واستوطن يهود في مكانهم. هذه الاحداث، التي تسمى منذئذ بالنكبة وتشعل نار النزاع، هي محظور كبير في الوعي الاسرائيلي. لا  يعلمونها في المدارس، ومؤرخون قلائل يبحثون فيها، وذكرها في الاعلام يبعث على الفور ردود فعل من الاسكات على نمط "العرب رفضوا مشروع التقسيم وجلبوا خرابهم على أنفسهم". توصيفات على جرائم الحرب ارتكبها جنود الجيش الاسرائيلي في حرب الـ 48 – ابعاد السكان، السلب والنهب، القتل والاغتصاب – تكبت في الهوامش ونشرها يعد تشكيكا بعدالة المشروع القومي.
ولكن الدولة لا تكتفي بانغلاق الروح السائد في المجتمع الاسرائيلي اليهودي بالنسبة لاحداث 1948، بل تبذل جهدا نشطا لاخفاء الادلة على النكبة. تحقيق ملحق "هآرتس" كشف نشاط وحدة خاصة في وزارة الدفاع، يتواصل منذ نحو عقد، بهدف اخفاء وثائق وشهادات على جرائم حرب في 1948 في الارشيفات العامة والخاصة، حتى في حالات سبق للمعلومات عنها ان نشرت. هذه الوحدة التي من صلاحياتها الرقابة على الماضي مهزوزة وموضع خلاف، تتجاهل اعتراض المؤرخين ومدراء الارشيفات، المؤيدين لكشف احداث الماضي مثلما وقعت. وهدف الاخفاء هو التشويش على الشهادات وتعزيز الرواية الاسرائيلية الكاذبة وبموجبها "العرب هربوا طوعا وبتشجيع من زعمائهم". هكذا سحب رجال هذه الوحدة الخاصة وثيقة مفصلة وثقت هجرة المدن والقرى الفلسطينية حتى حزيران 1948 واظهرت ان معظمها هجرت بسبب اعمال عسكرية يهودية. وهذا حتى قبل اعمال الطرد الكبيرة من الرملة، اللد، مركز الجليل والنقب الشمالي في الاشهر التالية للحرب. ان حقيقة أن الوثيقة سبق أن نشرت، لم تردع مزوري التاريخ من وزارة الدفاع، ممن يؤمنون بسخافتهم بانه بغياب التوثيق، ستنسى النكبة ايضا. تعمل هذه الوحدة بروح شعار اليمين الفاشي "نكبة خرطة".
اسرائيل ابنة السبعين قوية بما يكفي لتواجه العلل الاخلاقية لماضيها. النكبة لن تختفي؛ فهي لا تزال موجودة في المشهد، في احراش الصبار للقرى المهجرة، في منازل مزينة بالاقواس في يافا وفي حيفا، في ذاكرة المجتمع الاهلي الفلسطيني في اسرائيل، في المناطق وخلف الحدود. وبدلا من الرقابة وسحب الوثائق، يجدر بنا أن نتعلم ونعلم تاريخ اقامة اسرائيل وتاريخ المجتمع الفلسطيني الذي اقتلع من هنا. ان نقيم يافطات ذاكرة في مواقع القرى التي خربت والتصدي للمعاضل الاخلاقية التي ترافق الدولة منذ 1948. مثل هذا الاعتراف لن يحل النزاع، ولكنه سيقيم الحوار بين اليهود والفلسطينيين في اسرائيل على اسس من الحقيقة بدلا من الاكاذيب، الخجل والاخفاء.