وراء القناع أصير القناع .. "مختارات "

غسان زقطان
لم يعد الأمرَ كما كان
الطريقُ الوحيدً الذي كان يؤدي اليك
يمضي الى الغابة.
***
كلما نزلت في بلدة وجدت شيئا منك
كأنّ الدروب تتبعك.
***
بعد أن يغلقَ البابَ ويطفئ الأضواء،
سيترك الضوءَ الذي يكشف الممر حتى السياج
حيث يمكن أن يلمح نباتَ المجنونة وأغصان شجرة التفاح السكّريّ التي زرعها هناكَ في الشتاءِ الماضي.
في الداخلِ، سيكتفي بشمعةٍ وحيدةٍ قربَ النافذة.
على الضوءِ الباهتِ لشمعةٍ مدخنةٍ سيعيد ترتيبَ جلوسهم
ستعبرُ في الدخانِ وجوه وأسماء وأجساد وأمكنة.
وستسعى إليهِ على الدخانِ تنهّدات وهي تتعثرُ في ممرات لا نهاية لها،
أصواتٌ وغرفٌ بعيدة كادت تندثر
وسيكون هناك بيديه الكاملتين ليُخرجهم من العتمة،
الدخان ليدلّهم
والضوء ليعرفهم
والسياج ليتأكدَ من أن كل شيء في مكانِهِ،
معتنى به ومحفوظ
وأنها لن تفسد - مع الوقت - ذكرياته التي يواصل جمعها
وأنها ستكفيه، وستكون هناك بانتظاره
عندما يصلُ إلى عزلتهِ التامة.
 ***
نحن في فُسحةِ البابِ
نَحرُثُ ظلَّ الظَّهيرةِ والعَصر
نزْحفُ حتى غيابَ المَداخِنِ والظِّلْ،
وفي اللَّيلْ
نطْرُقُ أحلامنا بالجدار.
وفي اللَّيلْ يُلقي بنا الياسَمينُ
بَعيداً عن البيتِ
حيثُ البنات الجَميلات يمضينَ للدَّيرْ.
وفي اللَّيل
يخرُجُ نَعنَعنا من تُرابِ الحُقول
يُبَلِّلُ وجهَ الهَواءِ الثَّقيل
ويكسِرُ إِبريقَهُ في الجِوارْ.
نحنُ في فُسحةِ البابِ
نرمِشُ كي تَستَفيقَ الطُّيور
لتَلقطَ رُمّانَ أَيّامنا من إِناءِ الغِيابْ.
وفي اللَّيلِ يركضُ نَهرٌ إِلى بيتنا
وَلمّا ننامْ
يُدغْدِغُنا تَحتَ إِبطِ القَميص
وَينفُخُ كي يَبردَ الشّاي.
في اللَّيل
يحسَبُنا "الآخَرون" ظِلالاً
فلا يَطرحونَ علينا السَّلام.
***
الكؤوسُ التي انكسرت
كنتُ أَعرِفُها واحداً واحداً
كنتُ أرقُبُها وهي تطلقُ ضحكاتِها
تحتَ ضوءِ الكلام
وهي تَغمِزُني بينما يكذبُ الشاربون على صحوهِم.
الكؤوسُ التي انكسرتْ
لم يعدْ ممكناً
أن أنظِّفَها من غبارِ النميمةِ
أو أرتِّبَها نقشةً نقشةً
في الخزانة.

 

***

 


في الليلِ أسمعُ وقعَ خطاهم، ووقعَ خطاي
وأعرفها حين أمشي ويمشون خلفي
أرتّب إيقاعها في الطريقِ وأطلق أوصافهم كي يمرّوا
وكي يعبروا واحداً واحداً في الأزقّة، أو يصعدوا درجاً ضيقاً عتّمته خطى العابرين وبهّته الارتفاع.
على مهلهم، تلك طاعتهم، يصعدون، على مهلهم
مثل بحّارة يصعدون، الزقاقُ سفينتهم، لومهم قصبٌ للمجاديف
هيئاتهم تنفخ الريحَ نحو الشبابيك والدور
دهشتهم في الشراع.
وراء القناعِ، أكون سواي.
أرى ما يراه القناعُ وأسمع صوت القناع
وراء القناع أصير القناع.