فوزي كريم الشاعر الذي ذهب غريبا كما جاء

شاكر الأنباري
لم يصنف فوزي  كريم ضمن تيار بعينه، كما دأبت الساحة الثقافية على ذلك خلال عقد  السبعينيات من القرن الماضي. كان صديقا للشيوعيين، ويمتلك هوى نحو اليسار،  ويمقت الظلم والعسف والتنكيل، وهذا ما وضعه في حيز آخر من الثقافة، حيز  الثقافة الجادة غير المؤدلجة، الباحثة عن الضوء مهما تراكم الظلام.
 وبلحيته، وملابسه البسيطة، وبعده عن التصنيف السياسي، يوسم بعض الأحيان بالشاعر العبثي، كونه ينطلق من حرية فردية واسعة، ضمن جو خانق يصنف الأدباء حسب انتماءاتهم الآيديولوجية. فوزي كريم من نوادر الثقافة العراقية، جمع بين الشعر والموسيقى والتشكيل والنقد، وهو الحقل الأهم الذي اشتغل عليه فوزي بعد الشعر. ويعتبر كتابه ثياب الإمبراطور علامة فارقة في نقد الشعر العربي، حيث صنفه إلى صنفين: شعر الراية، أي الشعر المشغول باللغة والانشاء، وشعر المتاهة، أو الشعر المرتبط بالتجربة والمعاناة والتأمل، وقد قرأ الشعر العربي منذ نشأته وحتى اليوم على ضوء هذين المفهومين، وهي رؤية جلبت عليه سخط وامتعاض عدد هائل من الشعراء والنقاد. 
فوزي كريم شاعر متمكن من فنه، يحمل لحد ما سمة محافظة، إذ نادرا ما كان يكتب قصيدة النثر، ودأب على المحافظة على الوزن في معظم نتاجه. ولأنه ناقد نافذ البصيرة، زاوج في ثقافته بين التراث والحداثة، الثقافة الغربية والعربية، ويمتلك فضلا عن ذلك ذائقة موسيقية عميقة، هو القادم من شواطئ دجلة، وعاصر تحولات المجتمع البغدادي منذ عقد الستينيات حتى خروجه من العراق في نهاية السبعينيات. 
كان فوزي من الفئة القليلة بين المثقفين العرب من أنجز كتاباً ممتعاً، ومتخصصاً في الآن ذاته، عن علاقة الشعر بالموسيقى، هو المهتم بموسيقى الشعر، وأوزانه، إضافة إلى الموسيقى بلغتها التجريدية وقد وصلت إليها عبر التراث السامفوني الغربي. واللافت في شخصية فوزي جديته الصارمة في التعامل مع الأدب، ومع الرأي الآخر، يناقش بدقة، وتستوقفه المصطلحات الحديثة المدخلة قسراً على الثقافة العربية. وأتذكر حواراته معنا في مقهى الروضة الدمشقي عند زياراته المتكررة لسوريا، في تسعينيات القرن المنصرم، وكيف كان يدقق في البديهيات التي كنا نستخدمها، ويكشف لنا، بخبرة المعلم، إنها ليست بديهيات إنما أفكار شائعة لا تمتلك مصداقيتها بعض الأحيان. 
ظل يكره المسلمات في النقد، والفكر، ويعري النصوص من لغتها الشكلية ليكشف الفراغ الكامن وراء الحشو اللغوي، والأفكار الجاهزة، والصور الشعرية المستهلكة المتضخمة. وفوق كل ذلك ففوزي إنسان بسيط، غير استعراضي، شفاف مثل نسمة، يغني الشعر ويستمتع بصوته الرخيم ونقل الأذن إلى حقيقة الترابط بين الشعر والغناء. 
طوال معرفتي به وقد امتدت أكثر من ربع قرن، لم أره يوماً غاضباً، بل يدخل الروح بسلاسة، ويحنو على المبتدئين بالكتابة بعمق المعلم المتواضع، والرفيق الحميم. حين يحادثه المرء يلمس رهافة روحه، وبساطتها، مثلما يلمس أثر ثقافته الموسوعية في روحه، وأخلاقه، ومرحه الدائم. لم أجلس مع فوزي مرة إلا وشعرت به صديقاً قديماً، ومحدثاً بارعاً، خفيف الروح حتى وهو يناقش أكثر المواضيع تعقيداً، وهي مرحلة لا يصلها إلا المبدعون الكبار، ومتصوفة الفكر، وواسعو الصدر والتجربة في معرفة الناس. 
وكان فوزي مستشرفاً لحركة عصره، متفهما لما يدور في ميدان الأدب، والسياسة، والمجتمع، سواء في العراق أو المنطقة، وكثيرا ما كان ينظر إلى المواضيع المطروقة من زاوية غير مفكر بها، وكأن المرء أمام شخص فكر بكل شيئ، وناقش كل أمر مع نفسه على مدار السنين. توصل إلى قناعات صارمة حول رؤيته للثقافة العربية في الشعر والدين والسياسة، لذلك يصعب الحوار مع فوزي بواسطة المنظومات الفكرية السائدة. 
وهو متصوف لا يطلب من الحياة سوى كفاف العيش، وفسحة لممارسة طقوسه في القراءة، والكتابة، وسماع الموسيقى الكلاسيكية وكان مهووساً بها. منحاه التصوفي بلغه من خلال المعاناة، والتجربة، والتأمل، والقراءة العميقة، والبحث عما هو جوهري، لا في الحياة فقط، بل في الروح البشرية ذاتها، وهي صفة لا تتوفر إلا للقلة من البشر. في السنوات الأخيرة من حياته فضل فوزي العزلة عن الآخرين، وتكريس حياته للكتابة، وأدار ظهره للمهرجانات، والإحتفاءات، وأعراس التطبيل التي سادت في حياتنا الثقافية، في زمن راح يحتفي بكل ما هو سطحي ومبتذل، وساع إلى الشهرة والبهرجة. وكان يدرك أن الزمن لم يعد زمنه، لم يعد زمن الثقافة الجادة، المعرفية، الناقدة، الحاملة لرسالة الضوء في عتمة الحياة.
وداعا فوزي كريم. أيها الشاعر الجميل والنبيل.