صفقة العصر "بتمشيش"

خالد سليمان

لا يخفى على احد حجم المؤامرة التي يتعرض لها النظام السياسي برمته جراء رفض ما يعرف بصفقة العصر، وما سبقها من مخرجات تمثلت بالاعتراف الاميركي بالقدس المحتلة عاصمة للكيان الاسرائيلي، بالاضافة لما يعرف بمؤتمر أو الورشة الاقتصادية المزمع عقدها في المنامة، التي تدعي من خلالها الادارة الاميركية انها لمساعدة الشعب الفلسطيني وتحسين الاوضاع المعيشية، بطريقة تثير الريبة والشك في مساعي هذه الادارة، التي تتبنى وتنتهج مواقف سياسية متناقضة بشكل صارخ، ففي الوقت الذي قطعت مساعداتها تنظم ورشة اقتصادية لتحسين  اوضاعه.

التناقض الاميركي ليس جديدا علينا كشعب فلسطيني يرزح تحت الاحتلال منذ اكثر من 50 عاما، فقد اعتدنا في اكثر من محطة مفصلية وتاريحية انحياز الادارة الاميركية الى الجانب الآخر، الا ان الادارة الاميركية بدأت فعليا وعمليا تبني الرواية الاسرائيلية والانحياز لها فعلا وقولا، بما يحقق للكيان الاسرائيلي مصالح استراتيجية لن يكون من السهل تجاوزها من قبل الادارات الاميركية اللاحقة. لكن الامل بالكفاح الفلسطيني جذري وبنيوي في التركيبة السياسية والشعبية على حد سواء.

الحملات الاعلامية والسياسية التضليلية التي تنتهجها ادارة ترامب من خلال سياسييها لا سيما مبعوث الرئيس الاميركي دونالد ترامب للشرق الاوسط جيسن جرينبلات، تهدف في محصلتها الى النيل من كينونة النظام السياسي الفلسطيني والمتمثل بمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية بكافة مؤسساتها وبنيتها، من خلال اطلاق الشائعات والاخبار الملفقة والمزيفة بطريقة تهدف الى زعزعة ثقة الفلسطني بقيادته الشرعية والممثل الشرعي والوحيد لنا كفلسطينيين، لكن هذا "بيمشيش". لأن كافة شرائح المجتمع الفلسطيني بنخبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية رافضة وملتحمة مع الموقف الرسمي فيما يتعلق برفض صفقة العصر تحديدا.

الحملات الاعلامية التي روجت للفساد في النظام السياسي الفلسطيني تجاهلت الحديث عن رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي يتعرض الى جملة من المعضلات وقضايا الفساد لا سيما فيما يعرف بتلقيه هدايا او رشى، بالاضافة الى قضايا الفساد الاخرى ومنها فساده فيما يعرف بصفقة الغواصات مع الحكومة الالمانية. وهنا لا ندافع عن الفساد ولا نسمح به، ونعمل على معالجته كباقي الانظمة السياسية في كافة ارجاء العالم، فأي حكومة معرضة للوقوع في الاخطاء. لكن ما نريد قوله ان الادارة الاميركية إنما تكيل بمكيالين كلما تعلق الأمر بإسرائيل.

الحملة الاميركية تدرجت منذ قدوم ادارة ترامب لتصل اليوم الى ذروتها، التي بدأت تدعو على لسان جرينبلات الى تغير نهج الرئيس محمود عباس. هذه الدعوة التي جاءت خلال سلسلة تغريدات وتعليقات له على تويتر، بالتزامن مع فشل ما يعرف بقمة المنامة التي تبدو كأنها عرس تغيب عنه العريس. وسبقتها تغريدات اخرى تتحدث عن افشال حركة فتح برئاسة الرئيس محمود عباس للمؤتمر وللصفقة كلها. نعم صحيح، ففتح برئاسة الرئيس عباس اسقطت وافشلت صفقة القرن. وكذلك اعطى الرئيس عباس الادارة الاميركية دروسا سياسية، باعتراف بعض السياسيين الاسرائيليين ومنهم يوسي بيلين وعدد من الصحفيين. وفي هذا السياق لا بد من الاشارة بصورة جلية لا لبس فيها ولا تقبل التشكيك او التأويل ان الرئيس عباس تمكن باقتدار من احراج الادارة الاميركية سياسيا واخلاقيا، كونه تمسك بالقانون الدولي الذي لطالما كانت الولايات المتحدة الاميركية من الدول الاساسية والمركزية في صياغته، لتتجاوزه بطريقة متناقضة لمبادئها وقيمها التي لطالما تغنت بهما لتمرير سياساتها ومصالحها في ارجاء العالم كله.

اليوم تتعرى من كافة ادعاءاتها التي سقطت امام ممارساتها المعاكسة لجوهر ما تدعيه من منظومة تفوقية في المجالات كافة لا سيما السياسية والدبلوماسية. وهنا تثبت القيادة الفلسطينية ومعها كافة ابناء شعبنا في كافة اماكن تواجده انهم حجر الاساس في حل القضية الفلسطينية وفقا لحقهم المشروع بالحرية وتجسيد دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس  الشريف وحقهم في العودة الى ارضهم المتجذرين فكريا ووجوديا فيها بالرغم من بعدهم المكاني عنها.