الشعراء ينتصرون

نبض الحياة - عمر حلمي الغول

على مساحة وفضاء دول العالم وقاراته الست أقام الشعراء في 160 دولة مهرجانا عالميا تحت شعار: لا للحرب .. نعم للحرية والسلام"، حيث تنادى الشعراء من أصقاع الأرض في مبادرة شجاعة، ورائدة  للدفاع عن الحرية والسلام، ورفض الحروب والاحتلال، والإرهاب، وتكميم الأفواه في دولهم، ونقل رسائلهم الإبداعية لتصل لشعوب الأرض قاطبة بمختلف اللغات، وبالتوشح بألوان قوس قزح الأخاذة، وبإمخارهم جميعا عباب بحار لغات العالم، وركبوا أمواج الاستعارة والكناية، ومركبات الصور الإبداعية، وبنهلهم من قوافي وتجارب وعبر ودروس التاريخ ما يليق بأشعارهم، وبلحظة وحدتهم الجامعة بهدف تنشيط الحركة الثقافية المحلية ونقلها للعالم.

التاريخ الجمعة 21 حزيران 2019، اليوم الفاصل بين فصلين، الربيع والصيف، كان يوما للمبادرة الإبداعية، التي أطلقها الشعراء عبر تناديهم بصوت واحد، وهدف واحد، وصدى واحد، وإشعال شموع أمسياتهم في 160 بلدا على مساحة الكرة الأرضية، عندما أعلنوا بصوت مجلجل، نعم للسلام، ونعم للحرية، ولا للحرب، ونعم لحرية الإبداع والكلمة الملتزمة بالحب للإنسان في كل مكان، ونعم لحرية الأوطان، والتعايش بين الشعوب، ونعم لانتصار القصيدة والأغنية، ونعم للموسيقا ولكل اشكال الفن والإبداع.

فلسطين كانت حاضرة بقوة في ميدان حرب الشعراء ضد الغزاة المستعمرين الإسرائيليين، حيث توحد الشعراء في كل فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر: في القدس العاصمة الأبدية، ورام الله، وبيت لحم، وطولكرم، ونابلس، والخليل، وجنين، ومحافظات غزة الخمس (رفح وخانيونس، والوسطى، وغزة المدينة المركزية، ومحافظة الشمال)، والناصرة حتى الجولان السوري المحتل. غير أن سلطات الاحتلال الإسرائيلية هاجمت المدرسة، ومنعت الفعالية في زهرة المدائن، مع أنها مبادرة شعرية، وشعبية، وليس لها أية صفة رسمية، لكن دولة البغي والاستعمار تخشى الكلمة الواعية الملتزمة أكثر من الرصاص، لأنها تخشى آثارها وعمقها، لأنها تترسخ في وعي الجماهير الفلسطينية، وتزيدها إيمانا بكفاحها، وحريتها، وعدالة قضيتها الوطنية.

ولكن جريمة المستعمر الإسرائيلي في القدس العاصمة الأبدية، لم تفت من عضد شعراء الوطن والشعب، حيث شارك 165 شاعرا من الجنسين في الفعالية الوطنية العالمية، وكان الفضل الأول للشاعرة فاطمة نزال، التي تم تكليفها بدور ومهمة المنسق للمبادرة الدولية في فلسطين، وبدورها عادت لمرجعيتها الثقافية النقابية، اتحاد الأدباء والكتاب الفلسطينيين، الذي تبنى المبادرة، بالإضافة لإذاعة راية FM ، التي رعت مع الاتحاد ووزارة الثقافة المهرجان الشعري الوطني والعالمي بهدف إيصال صوت وآلام وعذابات وأحلام الشعب الفلسطيني لشعوب الأرض قاطبة، عبر تمسكه بخيار الحرية والسلام والتعايش، ورفض العنف والإرهاب والبارود والحروب.

وللعلم مهرجان الشعر العالمي يقام منذ عقود خلت، وكانت نقط الانطلاق من المكسيك، وبدأ بمجموعة صغيرة من الشعراء، ثم تعمم تدريجيا في أميركا اللاتينية، ومنها حملته الأصوات النبيلة إلى دول وقارات العالم. وأخيرا حط المهرجان رحاله في فلسطين، التي كانت بعيدة عنه لأسباب ذاتية وموضوعية، إلى أن حانت اللحظة هذا العام ورفعت راية وشعار المهرجان، وانخرط في صفوفه شعراء ومبدعو فلسطين، وبتبني اتحاد الأدباء والكتاب له، وبدعم وإسناد وزراة الثقافة، يكون من المفترض، أن المهرجان بات جزءا من انشطة الاتحاد السنوية. لا سيما وأنه يسهم إسهاما كبيرا ومهما في إعلاء مكانة الكلمة، والقصيدة، وإبراز دور صناع الأدب والمعرفة بكل صنوفها وتلاوينها، وصقل التجربة الإبداعية عبر مثاقفتها وتناغمها مع لغات وشعراء الأرض في العالم. وتسليط الضوء على القضية الفلسطينية وشعبها، وحقه في الحرية والسلام، والانعتاق من المستعمر الإسرائيلي.

اتيح لي ان أحضر جزءا من الفعالية/ المبادرة في متحف محمود درويش برام الله، ورغم أن الحضور والشعراء لم يزد عن 32 شخصا من الجنسين، غير أنها كانت ناجحة، لأنها كانت جزءا من فعالية أعم وأشمل، طالت الوطن من أقصاه إلى أقصاه وامتدت إلى الجولان السوري العربي المحتل. كما أن محافظة رام الله والبيرة ليست معيارا لنجاح أو فشل أي فعالية بغض النظر عن مضمونها وشكلها، لأنها غالبا ما تكون نائية بنفسها عن الفعاليات بتلاوينها ومجالاتها المختلفة، مع أنها، وإنصافا لجماهيرها وقياداتها من كل ألوان الطيف السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والديني عندما تحين لحظة المواجهة، لا تتردد في التشمير عن أذرعها، والنزول للميدان.

شكرا لمبادرة المهرجان العالمي للشعر، وللقائمين عليها، ولرعاتها، ومن تبناها، ولكل من رفع رايتها في ربوع الوطن، ولم يستصغر شأن المنسقة، ولا شأن المهرجان، ونعم لشعارها العالمي، الذي هو شعار القيادة والشعب الفلسطيني، المعبر عن خياره السياسي والإبداعي: لا للحرب.. نعم للحرية والسلام.

[email protected]