من الانتداب إلى الدولة الفاشلة.. المخطط ذاته

باسم برهوم

عندما جاءت بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى إلى فلسطين، جاءت ومعها "سايكس بيكو" ووعد بلفور، كان لابد أن يبدو الشعب الفلسطيني غير قادر على حكم نفسه بنفسه وتقرير مصيره بنفسه، بهدف فرض الانتداب على فلسطين وتنفيذ وعد بلفور.
ولكي يسير مخططها كما تريد أمعنت في تقسيم الشعب الفلسطيني وشرذمته وتجزئته، وعملت بكل الوسائل على خلق فجوة بين قيادة الحركة الوطنية والشعب، وزرعت الشك واستخدمت كل الشائعات لتشكيك الشعب في نفسه، ونذكر هنا كذبة بيع الفلسطينيين لأرضهم التي استقبلتنا فيها الأنظمة العربية لتسقط عن نفسها مسؤولية النكبة.
عملية التشكيك وخلق الفجوة بين الشعب وقيادته صحبتنا منذ القائد الوطني الحاج أمين الحسيني، الذي حملته أجيال فلسطينية بتحريض متعدد الأطراف، مسؤولية ضياع فلسطين مع العلم أنه عمل ما بوسعه لمنع ذلك إلا أن المخطط الصهيوني محكما وبالغ العدوانية. كما تواصلت هذه اللازمة مع أحمد الشقيري بالرغم من أنه انتزع وفي ظروف بالغة الصعوبة قرار تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية من بين براثن الأنظمة العربية المتصارعة والمتناحرة. وغني عن القول حملات التشكيك بياسر عرفات الذي اشتغلت كل ماكينات أجهزة المخابرات لتشويهه وتشويه قيادة المنظمة، بمحاصرته في مقره في المقاطعة برام الله واغتياله بالسم.
وهنا لابد أن نشير إلى كل محاولات شق المنظمة وتفتيتها وإشغالها بمعارك وصراعات جانبية ومحاولات تصفيتها بكل السبل السياسية والعسكرية.
ولابد من التذكير، ان ثورات ما يسمى بـ "الربيع العربي"، وتمزيق الأمة العربية ودولها قد بدأت بالشعب الفلسطيني عام 2007 بانقلاب حماس الاخوانية في غزة وأحداث الانقسام، ومن ثم كيف استخدمت جماعة الاخوان وتفريعاتها الداعشية في تفكيك الدول العربية.
إن مقولة سفير ترامب لدى اسرائيل، هذا الصهيوني المشبع بالعنصرية بأن لا حاجة لإقامة دولة فاشلة بين اسرائيل والأردن هو استمرار للمخطط ذاته من الانتداب ووعد بلفور وحتى صفقة القرن. وعندما يقول دولة فاشلة هو والصهيونية من عملوا لعقود ليبدو الشعب الفلسطيني مرة أخرى غير قادر على حكم نفسه بنفسه وبناء دولة عصرية تعتمد على نفسها. هؤلاء المستعمرون هم من أنتج انقسامنا وزرع الشك بين الفلسطينيين بقيادتهم الوطنية ليقول كلمته ما حاجتنا لإقامة دولة فاشلة.
ولا داعي لأن نذكر أن غالبية الدول بدأت مسيرتها كدول مستقلة بأقل بكثير مما لدى الفلسطينيين من قدرات وكفاءات لبناء دولة.
وأشير هنا ايضا إلى أنني وأنا اتحدث عما يخططه الآخرون لنا لا يعني أنني ادافع أو أبرر أي مظهر من مظاهر الفساد مهما كبرت أو صغرت، فالشفافية ومحاربة أي مظهر فاسد هي مصلحة وطنية فلسطينة ومصلحة للحفاظ على المكتسبات الوطنية وتعزيز صمود الفلسطيني على أرضه. ولكن الحملة الراهنة بخصوص الفساد بتوقيتها وأهدافها إنما تستهدف هذا الموقف الصلب للرئيس أبو مازن وقيادة منظمة التحرير الرافض لصفقة القرن، فمن يفشل ويعطل ويواجه هذه الصفقة هو هذا الموقف الوطني الصلب الصامد في وجه مخطط تصفية القضية الفلسطينية، وهذا الموقف لن يلين ولن يتراجع مهما بلغت التضحيات.