الأدمغة السرية ومستقبل إسرائيل

نبض الحياة .. عمر حلمي الغول

الأقطاب والدول المتقدمة في العالم لا تكف عن السهر على تفوقها، ومنافستها لخصومها، والمتربصين بمكانتها. وكل دولة من الدول تبقي عيونها العلمية بمستوياتها المختلفة والأمنية العسكرية مفتوحة، ويقظة لكل ما يجري من حولها، وفي العالم من تطور، ليس هذا فحسب، بل إن تلك الدول تخصص موازنات خاصة للبحث العلمي والمعرفي، وترفد طواقمها ذات الاختصاص بكفاءات وطاقات جديدة ونوعية، لضخ الدم والحيوية في عروق ومركبات أجهزتها ومؤسساتها المختصة. وتعمل عيونها الساهرة على التقاط الكفاءات النابهة. فضلا عن ان مناهجها العلمية والتربوية عموما تخضع للمراجعة والتطور الدائم حرصا على مواكبة روح العصر. 
علينا ان نعترف، أن دولة إسرائيل الاستعمارية من بين الدول المذكورة، وتعمل بجد واجتهاد على تتبع التطورات الجارية في العالم، لتحدد معالم التحولات الجيوبوليتيكية والمناخية والعلمية، وتقوم بعملية استشراف واستقراء لكل التغيرات في الإقليم والعالم، لتحدد مكانها، وموقعها مما يجري، وتعمل على تبوء مكانة متقدمة بين المجموعة العالمية الأولى في العالم. 
وارتباطا بذلك قام في الآونة الأخيرة طاقم الأدمغة السرية في وزارة الاستخبارات بدراسة مستقبل إسرائيل في ظل التحولات الجارية في العالم، وقام بعملية تحليل لأهم التوجهات المناخية، وبقراءة مستجدات وتحولات العولمة، وأهم منجزات ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والصراع الدائر بين شركات الاتصالات الأميركية والصينية والهندية وغيرها، لتحدد مكانها وموقعها فيما يجري. وذلك لتحقيق أكثر من هدف، منها: أولا مواكبة التطورات والتحولات العالمية بشكل عام؛ ثانيا قراءة وتحليل العمليات المختلفة كل على انفراد من خلال فريقها المختص؛ ثالثا تقديم الاستخلاصات والاستنتاجات في كل حقل من حقول العلم والمعرفة والتكنولوجيا والأمن، ووضعها أمام طاقم الأدمغة السرية، الذي يقوم بدوره بوضع رؤية شاملة لأبرز التغيرات والتحولات، وتحديد اتجاه الضربة الرئيسية خلال العقود القادمة؛ رابعا تقديم التوصيات والمقترحات لجهات الاختصاص السياسية والبيئية والعلمية والأمنية العسكرية للعمل على إدراجها في برامج العمل الخاصة بها، ورصد الموازنات الضرورية لها. 
وعلى هذا الصعيد، قال أحد أطقم الأدمغة السرية: "نحن أمام انطلاقة عالمية، ومن يكن في المقدمة سيسيطر، ومن يغفو أو ينام فقد "راحت عليه". لهذا دولة الاستعمار الإسرائيلية مستفيدة من كل المعطيات الداخلية، والميزات الإيجابية، التي تؤمنها لها علاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا والهند لتطوير أدوات فعلها، وعقولها الإبداعية للنهل من منابع الدول المتقدمة، وتغذية طواقمها، ومؤسساتها بأحدث منتجات العصر. ولا تترك شاردة أو واردة إلا وتتابعها، حتى لا يفوتها جديد، ولا تسمح لعيون فريقها بالنوم، لإنها تحرص ان تكون في المقدمة. 
الدرس الإسرائيلي الماثل أمامنا، إلى ماذا يرشدنا؟ وما قيمته وأهميته؟ وما هي دروسه؟ باختصار شديد، وحتى لا نبقى في دوامة ردود الفعل، وحتى نصبح في داخل حومة ميدان المنافسة والتقدم بالقدر المتاح، وحتى نعطي أهمية أكبر وأعظم لمقولة، إننا شعب لا نملك الثروات الطبيعية، ولكننا نملك الاستثمار في الإنسان، الذي هو أهم وأعظم منتج لكل الثروات، مطلوب منا: أولا تطوير برامج التربية والتعليم بشكل منهجي، وليس بردود افعال، وأيضا ليس باستهلاك أطفالنا وطلابنا ببرامج غير ذات شأن، واختزال المواد الهامشية إلى الحد الأقصى، وإغناء المواد العلمية والمعرفية؛ ثانيا تشكيل فريق رسمي تابع لوزارة الداخلية يضم نخبة من الكفاءات العلمية والأمنية ومن كل التخصصات، لا هم له سوى البحث في تطوير القدرات الذاتية الفلسطينية، وبحث التحولات الإستراتيجية في الإقليم والعالم، ورصد واستشراف المستقبل واتجاهات التغير فيه؛ ثالثا التشبيك مع دول العالم الصديقة لتطوير حقل الأدمغة الفلسطينية بمعارف ومواهب جديدة؛ رابعا وقبل ذلك التقاط المواهب والكفاءات العلمية والتكنولوجية والبيئية، وضمها للطواقم ضمن خطة منهجية؛ خامسا تقديم التوصيات والمقترحات للقيادة السياسية وجهات الاختصاص في الوزارات والمؤسسات المختلفة للاستفادة منها؛ سادسا تسليط الضوء على نقاط الخلل في العملية السياسية، والعمل على ردم الهوة في العلاقة مع الداخل الفلسطيني ومع الأشقاء العرب والدول والقارات المختلفة لتأكيد الحضور الوطني بين الجميع، على سبيل المثال لا الحصر، الحاجة الماسة للحرث في القارة الأفريقية، وسد العجز فيها، وتطوير العمل مع بلدانها من خلال وضع خطة تكتيكية واستراتيجية لاستعادة ما كان، وقطع الطريق على إسرائيل ومن والاها في القارة السوداء. وهناك الكثير مما يفترض ان نتعلمه من عدونا الإسرائيلي، وهذا لا يعيبنا، بل يجب ان يقوينا، وهو يفترض ان يكون كذلك.
oalghoul@gmail.com