الأنساق في رواية "رجال العتمة" للروائية المغربية حليمة الإسماعيلي

أمجد مجدوب رشيد

الخط السردي للرواية :

إيمان يطاردها حلم الوالد المتوفى في منجم بجرادة، إنه وشم ذاكرة مدينة جرادة بواقعها البئيس، وتطاردها رسائل أحمد الإلكترونية ..ولينفتح السرد على علاقة إيمان بزياد الرسام الفلسطيني المثقف والذي فتح أمامها فضاءات الروح والفن: الرباط والصويرة والأحلام. وكانت مراكش والرياض مركز البوح وهناك جرى  حوار مقتضب بين إيمان ونجيب حول حبه لفتاة، إذ الرواية مغموسة في لغة عاطفية تصويرية للحب كذكرى تحاول أن تبحث لها عن إمكان حياة، (رجل العتمة أحمد) والحب كتجربة معاشة بين مراكش والرباط والصويرة وغزة ( رجل العتمة زياد)،  دون أن ننسى تلك العاطفة الملازمة للشخصية المحورية (الوالد = رجل العتمة الذي لا يغيب) ..

إيمان أستاذة الرسم يلون زياد حياتها بالبهجة والعشق لكنها تكتشف أنها عاشت في وهم، في عتمة، فزياد متزوج ومسؤول عن أرملة أخيه لتنتهي الرواية برسالة من أحمد يخبرها بقرب المجيء.

بناء الرواية:

الأضلاع الكبرى لهذا العمل الروائي هي الرسائل: رسائل من أحمد ورسائل من زياد، وأجوبة الرسائل من إيمان.

وبين كل رسالة ورسالة موجات سردية وصفية تقدم معطيات عن الخلفية الفكرية والاجتماعية والثقافية للشخصيات .. وعلاقاتها بالأحداث، ويتم التناص مع أقوال، ومقاطع شعرية، ومقاطع غنائية، وعناوين وأسماء أعلام وأماكن..كما يتم تقديم أحلام وكوابيس ورؤى أغلبها تتلبس بالأحداث التي عاشتها إيمان في اليوم السابق، ويظهر فيها غالبا والدها..

تتقن الروائية  توزيع اللغة الشعرية على مفاصل السرد، وتوظيف عدد من الرموز بشكل موفق، مثل : ( العتمة والذاكرة ، وأسماء الشخصيات) أحمد (الرضى)  زياد (زاد.. فكذب) نجيب (ذكي تعلم وتزوج من يحب)..واسم الشخصية المحورية: (إيمان = الاعتقاد والايمان بأفكارها ومبادئها...).

استطاعت الروائية الغوص في خصوصية وسحر مراكش فقدمت لوحات سردية غاية في الجمال عن: ( ساحة جامع الفنا، وكناوة،  وطقوس رمضان، وأصناف الأكل المشهورة في مدينة الحمراء...وعن مواقع سياحية وطبيعية مثل : (أوريكا)..

وقدمت في سياق السرد أقوالا عميقة الدلالة وأشعارا عذبة وأغاني  لفيروز ..

 الرواية من جهة أخرى زاخرة باستغوار النفس نفس البطلة وإجراء حوار ذاتي، نكتشف من خلاله طبيعة الشعور عند الأنثى ونزوعها إلى إخفاء ميولها الحقيقية، وغوص في تفاصيل نسائية هامة، وخيوط دقيقة من                             الأحاسيس والرغبات.

الضمير المهيمن هو ضمير المتكلم  الذي يسرد، وهو يحيل على شخصية ممثلة في النص هي إيمان.

الأنساق في الرواية:

المقاربة السيمائية مقاربة محايثة، ذات اقتناع بضرورة البقاء في بنية النص ،ومن علاماته تستقرأ الأنساق التي يحولها التأويل من فرضيات وتخمينات إلى سيرورة دلالية ..في هذا السياق " يرى (رولان بارط) أن التحليل السيميائي لن يمسك بموضوعاته (الأنساق الدلالية، اللغوية وغير اللغوية)إلا من خلال ترجمتها إلى النسق اللغوي" وهذا يمكن من تحويل الأنساق اللغوية إلى منظومات دالة.

- وترى جماعة(( موسكو – تارتو)) أن كل الأنساق السيميائية تقوم على أساس الوحدة والتعالق،حيث يسند كل منها اللآخر،ومعنى هذا أن النسق الأصغر يتعالق مع النسق الأوسط ويتفاعل مع النسق الأكبر والجميع يشكل نسق الأنساق، فإذا أضفنا صفة التلاحم والترابط صار التعريف كالتالي: الأنساق السيميائية زمر أو مجموعات لغوية مترابطة العناصر ،تقو م على أساس الوحدة والتعالق يسند كل منها الآخر.

نسق المدن:

المدن التي تحضر في هذه الرواية هي: (جرادة، مراكش،الرباط ،الصويرة، غزة ) هذه مدن وفضاءات مركزية وهناك مدن أخرى لها حضور هامشي: (باريس، القدس):

أنا إيمان ،ابنة مدينتك المعتمة جرادة. ص7
ما معنى  أن تتحول مدينة إلى زنزانة في العتمة؟ ص10.
مراكش مسقط الروح تحب من يفتح قلبه لها.ص14.
"تهدهدني نسائم الصباح...تعبق أزهار النارنج والليمون والياسمين  ليتحول الفضاء إلى قارورة عطر كبيرة كعادة  فضاءات مراكش كل ربيع" ص132.
هذه دروب الصويرة ببساطتها وعتاقتها وحميميتها،كم أعشق هذا الاستثناء !..كنا مبهورين بالجمال...كما لو أن هذه المدينة  لوحة كبيرة من لونين الأبيض والأزرق. ص149.
"أين تفضلين الإقامة بغزة أم بمراكش؟" ص154.

بلغة رشيقة يتم وصف الفضاء المتصل بالأحداث في كل مدينة ووصف وقعه في النفس، وموقف الشخوص منه.

وحظيت جرادة بنصيب وافر حيث تم استرجاعها في كثير من المواقف السردية تليها مراكش وهذه تتفوق على الأولى في المقاطع الوصفية المخصصة لها.

المدينة كانت صورة سردية عبرت من خلالها الذات الساردة عن مواقفها، وتشكل وعيها. كما تم تقديم المكان في المدينة كحيز وجودي عميق الارتباط بالذات  والمصير (غزة – مراكش)..وتجلى المكان أيضا في لغة ساحرة مندغمة مع الخلفية الاجتماعية وأبعاده الجمالية.

نسق الذاكرة:

"من قال أننا نشفى من الذاكرة ؟ وحده الموت يعاقب الأحياء بالغياب ..ص146.

"حاولت إصلاح عطب الذاكرة" ص30.

"الذاكرة ...الذاكرة..آه يا آنستي سنجن أو ننتحر إن  حملنا عبء الذاكرة ص40.

"تتورم الذاكرة أحيانا ص94.

"ولن تنمحي من ذاكرتي  صورة وجهه" ص85.

"قفز إلى ذاكرتي بيت شعري" ص93.

"...لهيب الذكرى التي لا تنام الآن"ص213.

" أتكوم تحت أنقاض عذابات ذاكرتي التي تشعل هواجسي  وتتهجى آخر أحلامي" ص114.

"ذاكرتي مملوءة  بالثقوب والخسارات.."ص116.

تكررت كلمات: (الذاكرة ،ذكريات،أتذكر،ذكرى...) بشكل لافت ومتقارب، فتقنية الاسترجاع تم توظيفها لاستحضار أحداث قديمة وقعت في جرادة، وذكريات عاشتها إيمان في الرباط، ولحظاتها مع والدها ...وبعض تفاصيل طفولتها.

في الرواية  وعي حاد بدور التاريخ والزمن في تشكيل الوعي وفي تشكيل المستقبل.

الذاكرة تصاب بأعطاب وتتورم، تقلق صاحبها، تعذبه، منذورة  للخيبات والخسارات، لكنها عصية عن الانمحاء وهي وإن كانت عبئا ثقيلا إلا أنها جزء من هوية مشتركة، ليست لنا ذاكرة بدون الآخرين سوى في حير محدود.

نسق العشق:

"استكنت فوق مقعد الحلم وفرحي يفضحه ارتجافي وهذه الحمى المدمرة التي تعصف بكياني ..فجأة وصلتني رسالة هاتفية منه :"منذ داهمتني أمطار روحك ذات ليلة شتوية، وقلبي يعيش انفلاتا عاطفيا لا نظير له" ص103.

"...ها هو يحتل ظلي وظلالي ويعتلي قامة وقتي، ها هو يجوس في فتنة سري، وآفاق خيالي .."ص88.

تكاد تكون هذه الرواية رواية عشق فمنذ الصفحة الأولى إيمان مشتبكة في تواصل مع أحمد ثم بالموازاة معه زياد الذي عشقته وعاشت معه تجربة امتزج فيها الحب بالفن  والخيبة...غير أن موضوعات أخرى تجاور ذلك الحكي عن العشق، تحضر القضية الفلسطينية ومركزية الحرية وحقوق الإنسان وكرامة المواطن العربي وحقوق العمال وجوانب اقتصادية ،و ثقافية ودور العلم  في المصير الإنساني، وهيمنة الخرافة على شريحة من الأميين ...

نسق العتمة:

ما معنى  أن تتحول مدينة إلى زنزانة في العتمة؟ ص10.
..معانقة تلك العتمة المجببة  إلى قلبي حين ينام الجميع ؛ففي العتمة أحلم بالشمس والحياة وأنفض الغبار وخيوط لعنكبوت التي نسجت حوال قلبي، تلك العتمة التي كنت أخافها وأنا طفلة." ص56.
"  وتمايلي وتغنجي في هذا الليل بمحاذاة البحر  بمحاذاة النور، فالنور  يدخل في عتمتك وعتمتك تدخل في النور وهذا الرجل يدخل فيهما معا "ص180.

العتمة كعلامة تلج سيرورة التأويل ، تحضر في سياقات متعددة، تدل حينا على الوجع الذاتي والألم ،والتردد ،كما تدل في سياق آخر على القهر والإحباط والظلموالتهميش ( المدينة = العتمة = الزنزانة) وفي حالة أخرى هي محض زمن ،وفي صورة رمزية رابعة تعني السر والغموض.

ويمكن الحديث عن العتمة في هذه الرواية بهذه الصور:

عتمة زمنية أو مكانية

عتمة روحية

عتمة ذاكرة

عتمة رجال :( المعتقل منهم =أحمد) و( المحتل وطنه = زياد ) و( الكفيف = نجيب)" وأنا أحببت العلم ونشدته لأنه زادي أيضا وبصيرتي بوصفي ضريرا، لولا العلم لخنقتني العتمة) ص92.

عتمة فكر (حضور طقوس الاغتسال لإبطال السحر..ص54) و(حضور طقس الذبح ص54)"..أهرق دم الديك على عتبة الضريح وهو يهمهم بكلمات غير مفهومة) ص54.

عتمة لوحات (لوحاته تتشح بسواد قاتمللوجوه والناس ومكنون الروح ...) ص85."أعجبتني لوحتك" عتمة"رغم مرارة المعنى فيها ص86.

عتمة الجهل.

نسق اللغة الشعرية:

تهدهدني نسائم الصباح ص 132.

"...ها هو يحتل ظلي وظلالي ويعتلي قامة وقتي ،ها هو يجوس في فتنة سري ،وآفاق خيالي .."ص88.

"...كنت نورسة تتمادى في التحليق حتى إني  شعرت وكأنني أمتلك السماء..." ص182.

"..دونك كأن السواد يستدرجني إلى دهاليز حزني، بداخل روحي يوجعني فتتألم الأضواء "ص233.

الشعر تسلل إلى فضاء الرواية ..سكن لحظات البوح الذاتي ،واللغة الشعرية تتبدى حين لا تواجه العبارة موضوعها بشكل مباشر وواضح.

وفي اللغة الشعرية تتكشف الذات بهواجسها وأمانيها وأحلامها.

الرؤية:

لا ندعي أن الأنساق التي رصدناها وأولناها وحدها تشكل فهما ممكنا لهذا العمل السردي، بل ما نؤكده هو إمكانية قيام مقاربات متعددة تنطلق من علامات أخرى مشكلة أنساقا غير التي شكلناها لبلوغ فهم محتمل، كأن يتم الوقوف عند نسق الكتابة وصفحاته هي (32/137/192...) ونسق الحلم والكوابيس (ص33و39و157...) وأنساق أخرى قد تراها عين ناقد آخر..

وجماع هذه الأنساق وتعالقها يبلور دلالة مفادها الشغف بالمكان والقيم التي يمثلها، والتوق إلى تشكيل حياة الكرامة والحرية ،والإبداع والأبعاد الإنسانية.

* ناقد وأديب مغربي