”المترجم العربي ساعي بريد“.. حوار مع المترجم الفلسطيني تحسين الخطيب

حسام معروف

تبدو الترجمة بالجدلية المثارة حولها طريقة لابد من اتباعها لضمان تناقل الثقافات بين الشعوب، إنك تبدع لحنًا، ومن خلال الترجمة يعزفه غيرك، هي ثقافة النقل، ونقل الثقافة معًا، ويقول عنها المترجم تحسين الخطيب:“خيانة تستحق المديح“.

و“الخطيب“ مترجم أردني فلسطيني، وقد لمع في ترجماته للنصوص الشعرية، والدراسات النظرية حول الشعر، خاصة قصيدة النثر.

وترجم الخطيب للشاعر الأمريكي تشارلز سيميك في ”العالم لا ينتهي“، وترجم قصيدة ”إيروتيكا“ للشاعر اليوناني يانيس ريتسيوس، تلك التي تحتاج مشقة رهيبة في الترجمة، وصدرت له مجموعة شعرية بعنوان ”حجر الندى“، وقد كان لـ“إرم نيوز“ هذا الحوار الشيق مع المترجم تحسين الخطيب:

- من أهم مقومات الترجمة التعمق في النص الأصل، والبحث عن المكافئ اللفظي، وعدم الترجمة كلمة بكلمة، حدثنا عن نظرية المعنى في الترجمة.

الترجمة في أبسط أشكالها بحث عن المعنى، معنى الكلمات، ولكنها حين تتعلق بترجمة الشعر، على وجه الخصوص، تنزع إلى أن تبحث عن ”معنى المعنى“، عمّا هو ثاوٍ في القصيدة.

تعريب أم ترجمة؟

-  كيف يمكن للمترجم الحفاظ على المستويين اللغوي والأسلوبي للغة الأصل خلال عملية الترجمة؟

لا بُدّ للمترجم من وجهي نظري على الأقل، أن يحافظ على الأسلوب الذي يكتب به المؤلف الأصلي، ولا يجوز له بحجّة التعريب أن يُضيّع الأسلوب، أو أن ”يُخرّبه“، ولا بُدّ لصوت المؤلف الأصلي أن يحضر في النص، وأن يظل صوت المترجم صوتًا غريبًا، وهذا لا يعني أن تكون الترجمة حرفيّة، بالعكس، كلما كانت الترجمة ”إبداعية“، كلما حضر صوت المؤلف وأسلوبه بقوة.

انتخاب

من المعروف أن جودة الترجمة أساسها المهارة الإدراكية للمترجم، هل هذا يتطلب أن يكون المترجم كاتبًا بالأصل؟ وإن لم يكن ذلك شرطًا، ما مدى الأثر لمعرفة المترجم بتراث اللغة الأصل على انتخاب الكلمات المناسبة في اللغة الهدف للوصول لدلالة المعنى في سياقه الصحيح؟

ليس بالضرورة أن يكون المترجم كاتبًا في الأصل، والترجمة مهارة كأي فن آخر، وتتطور بالممارسة والتجربة، وكلما تعمقت معرفة المترجم في شتى المجالات يكون قادرًا على ”انتخاب“ أفضل الكلمات، ووضعها في أفضل ”نسَق“ ممكن.

نقص

- في مدار سياق النص داخليًا، سواءً سياق الموقف أو السياق الثقافي أو الوجداني، هل من الممكن أن يتفوق المترجم على الكاتب الأصلي للنص، وكيف ذلك إن كان الجواب بالنفي أو الإثبات؟

لا يستطيع أي مترجم أن يدعي أنه قد تفوّق في ترجمته على الأصل، وهذا الادعاء في حد ذاته هو ”نقص“.

القيمية

- من المخول بنقد الترجمة؟

لا ينبغي أن يكون ”النقد“، أيّ نقد، حكرًا على أحد، أو مقتصرًا على جهة دون أخرى، هذا ضد الحريّة، ولكن يتوجب على نقد الترجمة كي يكون جادًا أن يكون نقدًا ”علميًا“، أي أن يستند في أحكامه ”القِيَمية“ على المقارنة بين الترجمة والنص الأصلي، لا أن ينطلق فقط من النص العربي.

الخيانة

- كيف تضبط الحيادية إيقاع الترجمة، وتساهم في إنصاف النص الأصل؟

الحيادية شيء ضروري لنجاح أي ترجمة، ولا يتوجب على المترجم أن ”يُسقط“ آراءه الخاصة، وأهواءه الشخصية، و“أخلاقيات“ المجتمع الذي يعيش فيه على النص الذي يترجمه، حيث يصبح المترجم حينئذٍ ”خائنًا“ بامتياز.

الكثافة الشعرية

- تأويليًا، لماذا الشعر أعقد في الترجمة من السرد الروائي أو القصصي؟

ربّما لأن الشعر قائم على الاستعارات، والمجازات، والصور الحلمية، أكثر من السرد الروائي، أو القصصي، ولكن ثمة أعمالًا روائيّة وقصصية تفوق في درجة صعوبة ترجمتها أشعارًا كثيرة، ومنها ”عوليس“ جميز جويس، على سبيل المثال.

ضوء

- باعتقادك، هل ساهمت جوائز الترجمة برفع قيمة الترجمات، أم في الحط منها؟

جوائز الترجمة ساهمت بوضع المترجم في دائرة الضوء، والاعتراف بأهمية الدور الذي يقوم به، وهذا شيء بالغ الأهمية.

ساعي بريد

دراسة قدمتها اليونسكو تقول إن ما أنجزه المترجم العربي من عصر المأمون 813 م، لم يتجاوز 10000 كتاب، وهو ما تترجمه إسبانيا في سنة واحدة، ما دلالة هذه الأرقام؟

لا بُد أن نأخذ بعين الاعتبار عند الحديث عن الأرقام أن معظم الجهود التي تبذل في الترجمة هي جهود فردية يبذلها المترجمون من تلقاء أنفسهم، انطلاقًا من عشق العمل قبل كل شيء، والجهود المؤسساتية التي تدعم الترجمة في الوطن العربي كله هي جهود قليلة على العموم، ناهيك عن أن الثقافة العربية ”السائدة“ تنظر إلى المترجم على أنه مجرد ”ساعي بريد“، بينما المترجمون في العالم الغربي يحظون باحترام وتقدير شديدين.

المصريون يتصدرون القائمة الطويلة لفرع الترجمة في جائزة زايد للكتاب

لماذا تتوافر في إيران 16 ترجمة لرواية خالد حسيني ؟

نُدرة

هل ندرة الترجمة العكسية، أي من العربية إلى اللغات الأخرى، ترجع لضعف المنتج العربي، أم لبحث المترجم عن العائد المادي، أم لاعتبارات أخرى؟

بالعكس، ثمة الكثير من الأعمال العربية تتفوّق في جودتها على كثير من الأعمال المشهورة في الغرب، وبدأنا في الآونة الأخيرة نشهد أعمالًا عربية مترجمة إلى الإنكليزية، وتنافس على أعرق الجوائز العالمية، لكن تظل هذه الترجمات قليلة مقارنة بما ينجزه المبدع العربي.