"منازل فلسطينية منتجة" بوابة لتعزيز الصمود الاقتصادي

• عبير البرغوثي

"انظر إلي بعين الرحمة" هكذا بدأت حديثها مع طفل لا يتجاوز عمره الـ 15 عاما على رصيف أحد شوارع رام الله المؤدية أو الخارجة من سوق الخضار، تطلب منه السماح لها بالاحتفاظ بمساحتها التي تقصدها كل يوم، ليست واسعة لبناء بسطة أو زاوية للخضار والفواكه، ولكنها كافية لعرض مجموعة من المزروعات المنزلية، تسترزق من بيعها للمارة للحصول على قوت يومها، امرأة خمسينية تطلب الإذن من طفل حتى تجد موطئ قدم بسيط أمام السوق للإبقاء على مشروع حياتها البسيط، فرصة عمل خلقتها بيديها رغم برد الشتاء وحرارة الصيف حتى تبقى قادرة على إعالة نفسها وعائلتها، وعلى الاستمرار في حياة لم ترحمها لظروف نحن نجهلها، تطلب من طفل يبدو أنه مسيطر على هذه المساحة بأن ينظر اليها بعين الرحمة ، بأن يشفق على حالها.
ما أقساها من كلمات، وما أصعبها من ظروف، حينما تكشر الدنيا عن أنيابها في وجه الضعفاء، والأسوأ من ذلك أن تكون تلك الأنياب من بني البشر ، هذه هي معاناة تلك السيدة، لم تقبل على نفسها أن تمد يدها للمعونة والصدقة، بل مضت تبحث عن موطئ قدم ، مساحة صغيرة، موقف يتسع لقدميها ومربع صغير تعرض فيه بعضا من منتجات هذه الأرض المباركة، وريقات خضراء فيها الصحة لطالبها، ومنها بعض العائد النقدي البسيط تُفرح به محفظة تلك السيدة البسيطة، ربح قليل  وكرامة كبيرة، بعض النقود ولكنها بعزة نفس وشرف يزداد مع كل قطرة عرق من على جبين هذه الفلاحة الفلسطينية.
قسوة الأيام وقسوة البشر وضيق الأحوال، تصبح كجبال من الهموم، تقطع الأنفاس عن صدر حاملها، وكيف اذا كانت فلاحة بسيطة، تركت أسرتها من قبل الصباح الباكر، لتقف في مكان يعج بالمارة، على أمل ان تبيع ما لديها قبل المغيب، فهي ليست في نزهة، وهي لا تزال في بداية قائمة طويلة من الأعمال، فالتأخير يعني مشكلة فقدان المواصلات، ويعني التأخير عن احتياجات البيت، فما إن تنتهي من عملها في السوق، حتى تبدأ يومها من جديد لإعداد ما يريد أفراد الأسرة من طعام وشراب واحتياجات أخرى كثيرة.
قصة هذه السيدة البسيطة، هي قصة عشرات السيدات اللواتي يصارعن من أجل متر على الطريق لبيع ما يمكن أن يوفر لهن ولأسرهن خيطا ولو صغيرا للبقاء على قيد الحياة، إنها نموذج الاعتماد على الذات، وخلق الأمل بدل طرق الأبواب وطلب المساعدة والصدقات أو التسول، هي المواطنة الإيجابية، التي تؤمن بالعمل والكفاح من أجل حياة كريمة، هذه النماذج هي أيقونات العطاء للمرأة الفلسطينية، أجل إنها المرأة التي تقهر الظروف، وتنتصر على الضعف، تحمي أسرتها من الفقر، وتبني، وتدرس وتخرج الأجيال، تحمل بيدها ضمة من النعناع من حديقة منزلها، وترسم بها صباح كل يوم نموذج لهزيمة الجوع والفقر والعوز، فكم من هؤلاء النسوة تحمي أسراً بتضحياتها هذه، وكم من هذه الأمهات والأخوات تحتاج من يساندها لا أن يصادر مكانها البسيط لبيع ما يعيلها ويعيل ابنائها؟.
الصين أنموذجا
ليس من نافل القول إن هناك العديد من النماذج التي شكلت فرقا في حياة شعوبها، من خلال إعادة اطلاق العنان لطاقات الإنتاج الكامنة، من خلال استراتيجية وطنية لإشراك الأسرة والمنزل والفرد في عملية الانتاج، ولعل نموذج العملاق الصيني من أفضل الشواهد على ذلك، فحتى عام 1978 كانت الصين تصنف من الدول الفقيرة أو النامية اقتصاديا مقارنة بباقي دول العالم، ولكن الآن تصنف على أنها ثاني اقتصاد في العالم، لا شك أن هناك أسبابا عديدة ولكن من أهمها استراتيجية الحكومة التي ركزت منذ سنوات على الأسرة الصينية واعتبرتها بمثابة مصنع متكامل، وباتت حلقة مركزية في قصة نهوض التنين الصيني كما نشهده الآن، فتجربة الصين تجربة رائدة ومميزة، فقد استطاعت تخليص واحد من بين كل أربعة من مواطنيها من براثن الفقر والبطالة، انطلاقاً من مبدأ الأسرة المنتجة والمنزل المصنع، لقد قامت  بتوظيف العنصر البشرى توظيفاً صحيحاً باعتباره رأسمال منتجا وليس مجرد مستورد للاستهلاك ومعتمد على ما ينتجه أو يزرعه غيره، انها سياسة عامة للفكر والقيم وأنماط الإستهلاك والنظرة للعمل، برامج تأهيل وتدريب للكوادر الشبابية وإرسال بعثات تعليمية إلى الدول المتقدمة للاستفادة من تقدمها العلمي والتكنولوجى وتسكين الخبرات والتجارب في المنازل والاسواق الصينية في الدولة، فاستطاعت الصين تحقيق معجزة اقتصادية كبرى فى غضون سنوات قليلة رغم كثافة عدد سكانها والذي يتجاوز 1.4 مليار نسمة، فكان تنظيم وتحفيز الدور الأسري في العملية الانتاجية ركن مهم لمرحلة النهوض، ونمت بشكل متصاعد المشروعات الصغيرة وقدمت لها برامج التمويل والإقراض طويلة الأجل، واتسعت نسب المشاركة والتشغيل وازدادت فرص العمل وتراجعت معدلات البطالة، وارتفعت قيمة الاعتماد على الإنتاج من القدرات الذاتية، واتسعت دائرة التنافس الايجابي، وتوسعت دوائر الإنتاج الزراعي، وتحولت منازل الصينيين إلى ورش صغيرة ما ساعدها على تخفيض تكلفتها الانتاجية، وبالتالى رفع القدرة التنافسية في الأسواق الإقليمية والدولية، وتحركت عجلة الاقتصاد المحلي، وارتفع الطلب، وانطلق العنان للابداع والابتكار وحصد النتائج.
"أسبوع المنزل المنتج"
نعم الأسرة هي صمام أمان المجتمع، فالأسرة القوية تعني مجتمعاً ودولة قوية، وأسرة تنتج وتستهلك مما تنتج تشكل صمام الأمان في مواجهة ثقافة الاستهلاك والاعتماد على الآخر، إنها أساس بناء المجتمع المنتج ومحاربة الاتكالية، محاربة ثقافة الاتكال على طلب العون والمساعدة دون بذل الجهد، محاربة ثقافة إهمال نقاط القوة والصمود تحت عناوين متنوعة، أبسطها "جربنا ولم ينفع"، الصمود والاعتماد على الذات ليس اختبارا لمرة واحدة، بل هو نمط حياة، إنه صمود في وجه النفس والذات في المقام الأول، انه الانتصار على الذات قبل كل شيء، إنها ثقافة  وأسلوب للاستثمار  الخلاق لكل المقومات، فحديقة المنزل قد تكون بوابة للزراعة، والمخزن قد يكون ورشة صغيرة للحياكة أو اصلاح بعض السلع، والأجهزة الذكية التي تزدحم بها منازلنا قد تكون أجهزة للإنتاج عن بعد في ظل ثورة الاقتصاد الرقمي، بديلا لاستخدامها للالعاب واستهلاك الكهرباء وقتل وقت الاطفال والشباب دون عائد.
ما أحوجنا ليوم خاص أو أسبوع خاص، لاستعراض نماذج من تجارب المنازل المنتجة، والأسر المساهمة في الانتاج الوطني، تلك التي لا تصلها الأضواء، أو لا تصلها وسائل الاعلام، ليس لأننا ضد مؤسساتنا ومصانعنا الكبيرة، ولكن من باب دعوتنا لبناء نسيج انتاج متكامل يخدم قضيتنا الوطنية، فربما نكتشف من بين هؤلاء المشاركين قصص ومشاريع نجاح يمكن إعادة توزيعها وتعميمها، وبعضها قد يتطلب دعما بسيطا أو توجيها بسيطا ويتحول لقصة نجاح مميزة،  نعم نحن بحاجة لمبادرة وطنية تحت عنوان " أسبوع المنزل المنتج".
اخيراً، كل التحية والتقدير لكل فلسطينية تشمر عن ساعدها لتغرس الأمل، وتصنع الفرق في حياة أسرتها، ولمن تشق خطواتهن عتمة الليل وتفوح من أحمالهن رائحة الزعتر والنعناع، تحملها من أماكنها البعيدة لتزدان بها أجواء شوارعنا، وما أجمل ذلك الصباح الذي تزدان به اوراق الخضرة وحبات الخضار وأصوات تلك السيدات حينما تمر من أمامها، وكلها أمل ان تكون أنت أول من يشتري منها ليكون استفتاحا كريما ليوم كريم.
ليس سهلا أن تصمد في ظروف وتحديات الحياة اذا كنت ضعيفا، هذا هو لسان حال كل سيدة تقرر مجابهة تحديات الحياة القاسية، ولكن كل التحية لكل سيدة تختار الصعب مهما تحملت من تعب لتحمي أسرتها من ضيق العيش وعناء الحياة، هذه السيدة لا تحتاج اذنا من طفل أو من متنمر عليها، هي تحتاج لأصدقاء يتفهمون ويدعمون، تحتاج لمؤسسة ترعى وتنظم، تحتاج لمواطن يؤمن بأن تشجيع بيوتنا على الإنتاج والتسويق هو البديل الناجح لمحاربة أنماط الاستهلاك المستوردة ومحاربة الهدر واحترام قيمة الأشياء لا أسعارها.
نسأل المعنيين بأن يأخذوا صمود هؤلاء النسوة وتلك المشاريع للأسر المنتجة بكل اهتمام وتقدير، ونتمنى أن يكون من تجاربهم نماذج للتطوير وتوثيق قصص النجاح، فقد نكتشف أن العديد من هؤلاء السيدات ومن بيع ضمة نعناع في هذا اليوم وغيرها، علمت وخرجت أجيال من جامعات وبنت بيوتا وعمرت أسرا، لا رحمة لمن لا يرحم الناس، والشكر كل الشكر لكل هؤلاء السيدات المثابرات من طلوع الفجر وحتى مغيب الشمس، في الصيف والشتاء، فلقمة العيش غالية، والعمل بشرف وكد وتعب يصنعنها بعزة وكرامة.