ليشرق "نور فلسطين" في كل مكان

• عبير البرغوثي

الطاقة هي عصب الحياة، فدونها لا منزل يعيش بهدوء، ولا مصنع يبقى على قيد الإنتاج، ولا حكومة تكون قادرة على الأداء، ودونها يرقد الاقتصاد في عمق الأزمات في سبات عميق، إنها الطاقة بسببها تتحرك الجيوش والأساطيل، وللحصول عليها تُنفق ملايين الدولارات، فهي شريان وعصب الحياة في كل المجالات.

وفي الواقع الفلسطيني تزداد أهمية وتحديات الحصول على الطاقة مقارنة بغيرنا من الدول، فمن جانب نحن نتعامل مع مورد طبيعي معرض للنضوب بسبب حسن وسوء الاستخدام، وكذلك تأثير انعكاسات الاحتلال المباشرة وغير المباشرة على قدراتنا في الحصول أو الوصول الى مصادر الطاقة التقليدية وغير التقليدية، سواء من داخل الحدود الفلسطينية أو من خارجها، هذا الواقع دفع صندوق الاستثمار الفلسطيني للتفكير الاستراتيجي في الاستثمار في هذا القطاع بما يحقق عوائد اقتصادية واستقلالية مهمة للمجتمع والاقتصاد والمشروع الفلسطيني بشكل عام، فكانت ولادة مشروع "نور فلسطين" عام 2015 نقطة مهمة في مسيرة تطوير الاستثمارات الاستراتيجية في قطاع الطاقة المتجددة، انه مشروع كبير ليس فقط لحجم رأس المال الاستثماري والذي يفوق الـ 50 مليون دولار، بل لكونه ينطوي على تغيير استراتيجي في دور المواطن، فالمشروع القائم على تأسيس ثلاث محطات للطاقة الشمسية في طوباس وأريحا وجنين، وتبلغ طاقتها الإنتاجية الكلية 60 ميغاواط يعيد تشكيل الأدوار، فالمستهلك يتحول الى منتج ومساهم في تطوير واستقلالية قطاع الطاقة، والمؤسسات المستهلكة في القطاع العام والخاص والأسري تتحول الى قوى إنتاج معززة لقطاع الطاقة الوطني، تنتج وتستهلك ما تحتاج وتساهم بالفائض ضمن المخزون الوطني للطاقة، من خلال تمكين شرائح وقطاعات كبيرة من المستهلكين للطاقة الكهربائية من تملك أنظمة طاقة شمسية جاهزة لإنتاج الطاقة الكهربائية ومربوطة مع شبكات التوزيع ضمن الهيكل العام للمشروع والذي يهدف وفق خطته إلى توليد 200 ميغاواط كهرباء من الطاقة الشمسية في فلسطين بحلول عام 2026.

طاقة متجددة تخدم القطاع المدرسي بشكل خاص، طاقة تساعد البلديات لتقديم خدمات الإنارة على نحو أفضل وأكثر جودة وبأفضل التكاليف مقارنة بالطرق التقليدية، طاقة متجددة تساهم في مساندة قطاع المزارعين من خلال توفير الطاقة البديلة للآبار الارتوازية، وبالتالي تخفيض تكاليف الإنتاج وزيادة القدرات التنافسية لمنتجاتنا الزراعية، ليست أحلاما وإنما خطوات عملية تمت مباشرتها منذ أشهر، من خلال توقيع العديد من مذكرات التعاون والتفاهم والعمل المشترك بين إدارة المشروع والعديد من البلديات والجهات المعنية في الأراضي الفلسطينية .

لقد تشرفت وبصحبة مجموعة من الزملاء الصحفيين بمرافقة فريق صندوق الاستثمار برئاسة الدكتور محمد مصطفى للاطلاع على مسيرة التقدم والعمل والإنجازات التي يحققها مشروع "نور فلسطين" على أرض الواقع في محافظة أريحا ، وكانت زيارة تربط الكلمة الإعلامية بالعمل الفعلي على أرض الواقع ، إنجاز يمضي بكل خطى ثابتة نحو مستقبل واعد للطاقة المتجددة لخدمة المجتمع والاقتصاد والوطن في مختلف المجالات الحيوية، فوفق خطة عمل الصندوق فإن المشروع قد قطع خطوات مهمة على مساراته الأساسية، رغم تحديات الاستثمار والعمل التي يمثلها هذا القطاع بشكل عام، وخصوصية العمل في هذا القطاع في الحالة الفلسطينية لأسباب متعددة، إلا أن الإرادة الفلسطينية لا تستسلم أمام الصعوبات، وتخلق من التحديات فرصاً للنجاح والاستمرار، النجاح يتطلب تكاتف الجميع، لأن العائد يخدم الجميع. فالأزمات الاقتصادية وارتفاع تكاليف وفاتورة الحصول على الطاقة والتي تصل لنحو 20% من الناتج المحلي سنوياً، تمثل تحديا حقيقيا أمام نهوض الاقتصاد الوطني، والتغلب عليها بقوانا الذاتية يشكل أساساً مهماً واستراتيجيا لتحرير قطاع الطاقة من التبعية، بالطبع هذا المشروع وبمساراته المختلفة يمثل خطوة مهمة للحل، ويحتاج لمزيد من الدعم وتوسيع الاستثمارات وتوسيع دائرة القطاعات المشاركة والمستفيدة، بغية الوصول الى تحقيق الاكتفاء الذاتي من انتاج الطاقة وتعديل الفجوة في ميزان الطاقة الحالي والذي يعتمد على مصادر الطاقة المستوردة في مختلف المجالات.

التجديد هو سمة العصر، والدول والمجتمعات باتت أمام خيارات صعبة، فإما الابتكار في كافة المجالات واما الاندثار السريع من على خارطة الوجود، هذه هي معركة استشراف المستقبل وهذا هو التحدي أمامنا جميعا لتعزيز مشاريع الإنتاج الذاتي والاعتماد على الموارد التي من شأنها تحقيق العوائد الحقيقية على الإنسان والاقتصاد والمجتمع، وكلنا حريصون على أن يشرق "نور فلسطين" في كل مكان.