عن اللغة والهوية عند الفلسطيني حسين البرغوثي

حسام معروف


لأن اللغة كانت صديقته التي روى من خلالها ظمأ جنونه، فقد كان الأديب والمفكر الفلسطيني، حسين البرغوثي، دائم البحث عن تشكيل صيغة لهويته الثقافية، التي مرت بمراحل مختلفة من الطفولة للشباب، قضاها بتنقل وسفر داخل الوطن وخارجه، حيث عاش مغتربًا عن وطنه لسنوات طويلة، قبيل العودة ليختتم حياته في قرية ”كوبر“ الفلسطينية. لقد عاش الروائي الفلسطيني مخاضات ذهنية أسهمت في تخليق إبداع الباحث، وهو ليس كإبداع المستقر. لقد كان مثقلًا بتفاصيل تكوينه، وكان يعاني من ”فائض هوية“ كما يقول فتحي المسكيني.
”الماكيير“
يقودنا حسين البرغوثي في لغته إلى منطقة غريبة، فلا تجد ترتيبًا طبيعيًا لخطاه في النثر، بل تستمع لأصوات متباينة ترافق قفزاته الثاقبة إبان مشواره مع الكتابة. لم يؤسس لحسين البرغوثي إلا الممارسة. ما يعني أنه ترك أسئلة الحصار جانبًا، واستمع لكل ما هو خارج ذلك الإطار النمطي لمن حوله، الباعث إلى الموت حسبما يرى.
حين يقول إيكو ”: إن موت امرأة جميلة هو أكثر الأشياء شاعرية في العالم“، فإنه يسوّق لبطء لحظة الفقد، وعنصريتها في جلد العاطفة الإنسانية، ولعل ذلك يكون من إحدى الأدوات التي يرقبها حسين في طريقته التفكرية، وحواره الذاتي الغائر، الذي لا يغفل عن طرحه بكليته، دون اتباع فلسفة ”الماكيير“، فلا يحمل تخوفًا سوى من جذر لغوي كان عليه أن يضعه في نسقه ولم يسعفه الوقت.
ذهن يلدغ نفسه
كان البرغوثي يصف العالم الواقعي بأنه ضيق جدًا، إذ إن تكرار الإمكانية لحدوث الأشياء، يفقدها أهمية التواجد. لذلك كان يفر الروائي الفلسطيني إلى الكون الخيالي اللغوي؛ لأنه يعرف بأنه لا محدودية له، ولا يكف عن الغرق في شساعته، كما أن تجربتنا مهما كبرت، فلا تقارن بذلك العالم من الخيال. هذا ما يبرر أن الكون المبني بلغة حسين، لا ينتهي بانتهاء القصة التي يرويها، إنه يمتد إلى ما لا نهاية.
و بينما يسعى الروائي إلى إزالة الضباب عن وجه القارئ كلما تقدم في مساره الدرامي، على العكس، يسعى حسين إلى محو ما أثاره، فهو لا يمكن اعتباره من يكتب على ورقة بيضاء، إنما على فضاء، لا يمتلك خواص الموجود. وهو لا يتطرق إلا لمنطقة غائرة يملأها بغبار حرثه في الذهن، فكيف لا وهو يرى أحيانًا بأن“الذهن يلدغ نفسه“. كان يعرف حسين جذوره جيدًا فهو العائد باستمرار إلى طفولته التي كان منها يستمد ثورته اللغوية. وعلى قول ”أليتيك“:“ القضية ليست صحيحة وخاطئة فقط، بل ممكنة ومستحيلة، مستحيلة في الواقع، وممكنة في الخيال“، هو الخيال الذي كان يحاول البرغوثي شده لمنطقة الواقع، بواسطة اللغة.
خبرة المسافر
ولأن ما يهمنا من السرد، هو تلك الطريقة التي يؤثر بها على إدراكنا، فقد برع حسين البرغوثي في التقاط النقاط الحرجة للتجربة الإنسانية متبعًا خبرة المسافر، مدفوعًا بمحاولة تفسير ذاته وفق ما تتعثر سيرورته. فكتب البرغوثي عن الحياة بمجملها، الحياة كفكرة، فقال:“ لأن الحياة لا تساوي ما نتحمله حتى نعيشها“. وكأنه كان يرد على محمود درويش القائل :“ نحب الحياة ما استطعنا إليها سبيلا“. ووصف البرغوثي حالة التساقط المعادة بشكل غريب خلال التنقل ومغادرة الأشخاص والأماكن فيقول:“ فقد كنا نكره لحظة التوديع جدًا، ولكنها لسبب ما تُكرر دائمًا“. كما تذكر في غربته قصة وطنه، و ملامح نشأته، وسرد في ذلك:“ أخيرًا لاحت حدود الوطن الضائعة! غابات وجبال مقمرة، فوقي النجوم وخلفي البحر وتحتي الأرض وقدامي جبال الطفولة. كل شيء يقف الآن في كماله“. فلقد حمل حسين البرغوثي حبل لغة أزرق في ذهنه، والأزرق كما رآه، هو لون الجنون، لون الغيرية والاختلاف. ذلك ”النيون“ الذي كان يرش به كلماته يجعلها مشروعًا لعالم علينا البحث عنه قدرما استطعنا.
بيت الكينونة
وعلى صعيد تكوين الهوية، أو العودة إليها إن كان ذلك متاحًا. يقول ”هايدجر“:“الكينونة تعبر نحو ذاتها بواسطة اللغة، واللغة بيت الكينونة، حيث إنها هي حاضنة الإنسان، والشعراء والمفكرين، هم حراس ذلك البيت“. وإن ما كان البرغوثي يحاول إدماجه فنيًا في لغته السردية، كل ما مرت به ذاكرته من محاولة للطمس، ومن محاولات للتعرية. فتناول حياة التشرد للمسافر الفلسطيني المرغم، كنتيجة لما آلت إليه حالة التغريب الداخلي للشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال. وبغصة المرهق تساءل:“ من يدري يا دانا، ماذا يخفي القدر للمشردين؟“
صفيح
وتمتد جذور هوية حسين إلى غزة، التي زارها في طفولته، ولا ينسى حسين، ولا يُفقد الأصوات أهمية مما تقوله، ويسرد عن ذلك:“ سأترك ألواح الصفيح تطير مع الظلمة والريح في مخيم الشاطئ، فيستيقظ الأطفال مذعورين من نومهم ويتنفسون بعمق حرية البحر المالحة“.
ولأن كل الأماكن كانت تسقط ورقة من ذهنه، ليتجدد، كان يولي ذلك التفرع مع الأمكنة أهمية المقيم، على أمل العودة للماضي وهنا يقول، وهو على ضفة نهر دجلة:“ في مكان أسير فوق طاولة الذاكرة ملفوفة بالمخمل الأحمر في علبة من الذهب، نعود إليها كلما أفلسنا، ونلمسها بحذر خائف“.
إن اتباع حسين البرغوثي لحدسه في الكتابة، جعله جاهزًا لكل التجارب التي مر بها في وطنه، ومنفاه الاختياري، والقسري أيضًا، و تخلى بمهارته عن طريقة الإسقاط العمودي للتعريف بالشيء، بل ذهب لأدوات الشيء، لبيئته، ليعرفنا بشكل أعمق عن ضراوته فيقول :“ حقيبة ليس فيها أمل ولا خطط ولا مستقبل“. إنها تجربة شعب بأكمله مع التشريد داخل حدود وطن، غادر حدوده، ليعيش تجربة خالية من الموت.