في خدمة الأنظمة الظلماء

عاموس هرئيل- هآرتس

تقرير مفصل وموثق وشامل اصدرته "امنستي" ينتقد بشدة سياسة التصدير الامني لاسرائيل. حسب المنظمة فان شركات اسرائيلية تواصل تصدير السلاح الى الدول التي تخرق بصورة منهجية حقوق الانسان. السلاح الذي يتم انتاجه في اسرائيل يخدم جيوش وتنظيمات ترتكب جرائم حرب. في التقرير يتم طرح بيانات عن ثماني دول كهذه حصلت في السنوات الاخيرة على معدات عسكرية من اسرائيل.
احيانا هذه المعدات القتالية تصل الى هدفها بعد عدد من الصفقات الفرعية، التي تتجاوز بذلك الرقابة الدولية والقواعد التي وضعتها اسرائيل نفسها. امنستي تطلب من الحكومة والكنيست ووزارة الدفاع القيام برقابة أشد على تصدير السلاح ووضع قواعد شفافية تبنتها دول اخرى في العالم الغربي، التي تتناول تصدير السلاح على مستويات واسعة.
في التقرير الذي عنوانه "بدون رقابة – السلاح سيكون في أيدي قتلة"، اشارت امنستي بأن الاشراف على تجارة السلاح هو مسألة عالمية وليس محلية فقط. الرغبة والحاجة الى رقابة افضل على تجارة السلاح العالمية نبعت من احداث تاريخية مأساوية: ابادة شعب، حروب اهلية دموية، قمع عنيف من قبل الحكومات لمواطنيها... تطور ادراك أن بيع السلاح لحكومات وجيوش تستخدم العنف فقط تشعل الصراعات العنيفة وتؤدي الى تصعيدها. من هنا تطورت اتفاقات دولية تهدف الى منع انزلاق الوسائل القتالية الى انظمة ديكتاتورية أو قمعية.
في العام 2014 تم وضع ميثاق للرقابة على التجارة العالمية بالسلاح التقليدي. اسرائيل وقعت عليه، لكن الحكومة لم تصادق على ذلك، وحسب اقوال المنظمة ايضا لم تعمل بروح الميثاق وتبنيه في التشريع والسياسات. "امنستي" قالت إنه توجد في العالم "نماذج تستخدم رقابة مناسبة على التصدير الامني، وايضا انظمة لتقديم تقارير شفافة وعالمية دون أن تعرض امن الدولة وعلاقاتها الخارجية للخطر. هذه النماذج اقيمت من قبل دول كبرى مصدرة للسلام مثل الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة. لا يوجد أي مبرر كي تواصل اسرائيل الانتماء الى النادي غير المحترم للدول المصدرة للسلام مثل روسيا والصين".
في العام 2007 سنت الكنيست قانون الرقابة على التصدير الامني. القانون يعطي صلاحية لوزارة الدفاع بالاشراف على التصدير الامني حسب تعليماتها، وادارة سجل التصدير الامني، واتخاذ قرارات بشأن طلبات منح رخص تصدير امني. القانون يعرف التصدير الامني بصورة واسعة باعتباره تصدير معدات ومعلومات وخدمات امنية، ويحظر تصدير كهذا وحتى تسويقه بدون رخصة. قانون الرقابة لا يشمل تعليمات مفصلة تقيد التصدير الامني عندما يكون هناك احتمالية معقولة أن التصدير يستخدم في خرق القانون الدولي والانساني. مع ذلك يوجد حظر في قانون الرقابة على "الوساطة بين جهات خارجية لا تتفق مع قرار مجلس الامن الذي يمنع أو يقيد نقل المعدات القتالية أو معدات صواريخ، وهو القرار الذي يتطرق لهذه الجهات".
حسب امنستي "غياب الرقابة وانعدام الشفافية مكنت اسرائيل خلال عشرات السنين من تزويد المعلومات والمعدات الامنية لدول مشكوك فيها وانظمة ديكتاتورية غير مستقرة كانت منبوذة من قبل المجتمع الدولي". التقرير يقتبس مقال كتبه العميد احتياط عوزي عيلام، من كبار رجال جهاز الامن السابق، في 2007: "ستارة ضبابية كثيفة غطت دائما نشاط التصدير الامني. الدول المستهدفة التي اعتبرت "مصابة بالصرع" من قبل المجتمع الدولي مثل تشيلي في عهد بنوشيه وجنوب افريقيا في زمن التمييز العنصري وجدت مكانها في قائمة اهداف التصدير من قبل اسرائيل. غطاء السرية ساعد في الحقيقة على تجنب الضغط الدولي، لكنه منع ايضا شفافية القرارات بشأن التصدير الى دول اشكالية وابقاء القرار في أيدي عدد قليل من الجهات، بالاساس الذين يوجدون داخل جهاز الامن.
جزء من تشخيص عيلام يعتبر ذي صلة اليوم. التقرير يقدم بينات ملموسة للتصدير الامني الاسرائيلي في العقدين الاخيرين الى ثماني دول متهمة من قبل المؤسسات الدولية بخرق شديد لحقوق الانسان. الدول المذكورة فيه هي جنوب السودان، مينمار، الفلبين، الكاميرون، اذربيجان، سيريلانكا، المكسيك واتحاد الامارات. في عدد من الحالات نفت اسرائيل بأنها صدرت السلاح لهذه الدول في وقت محدد، وفي حالات اخرى رفضت اعطاء تفاصيل.
امنستي استندت في تقريرها على ابحاث منظمات حقوق انسان اخرى وتوثيق نشر في وسائل الاعلام من هذه الدول وعلى معلومات جمعها المحامي ايتي ماك، الذي يدير في السنوات الاخيرة صراع قانوني من اجل كشف صفقات السلاح الاسرائيلية مع دول مشكوك فيها. امنستي تطابق بين وصف السلاح الذي تم تزويده وبين الاخلال بحقوق الانسان وجرائم الحرب التي تمت في هذه الدول في تلك السنوات. امنستي تشير في التقرير الى أنه على عدد من هذه الدول فرض حظر للتزود بالسلاح وفرضت عليها عقوبات في الوقت الذي فيه اسرائيل تستمر في تصدير السلاح اليها. في امنستي قالوا إن "قانون الرقابة بالصيغة الحالية لا يوفر ولا ينجح في وقف التصدير الامني الاسرائيلي الى سيريلانكا التي قامت بذبح الكثيرين من مواطنيها، والى جنوب السودان حيث هناك النظام والجيش قاموا بتطهير عرقي وجرائم اخرى خطيرة ضد الانسانية مثل الاغتصاب الجماعي لمئات النساء والرجال والاطفال؛ والى مينمار التي ارتكب فيها الجيش ابادة شعب ورئيس الاركان الذي نفذ بالفعل صفقات سلاح مع اسرائيل متهم بذلك وبجرائم اخرى ضد الانسانية؛ والى الفلبين حيث أن النظام هناك والشرطة قاموا باعدام 15 ألف مواطن بدون أي تهمة أو محاكمة".
اعضاء المنظمة يكتبون أن هذا الفصل في التقرير "لا يرتكز مطلقا على تقارير وزارة الدفاع بخصوص التصدير الامني الاسرائيلي، لسبب بسيط هو أن الوزارة ترفض نشر المعلومات". وحسب قولهم فان "عدم الشفافية المطلق لاسرائيل حول التصدير الامني يمنع نقاش عام حول الموضوع ويعيق البحث والنشاط الجماهيري لتحسين الرقابة على التصدير الامني".
نموذج بارز على ذلك هو وجود بنادق "غليل آيس" من انتاج اسرائيل في ايدي جيش جنوب السودان. "بدون توثيق للبيع لا يمكن معرفة متى بيعت وكم تم بيعه وعن طريق أي شركة سلاح تم ذلك وما أشبه. كل ما يمكننا قوله بشكل مؤكد هو أنه يوجد لدى جيش جنوب السودان بنادق "غليل" اسرائيلية، في الوقت الذي هناك حظر دولي للسلاح من مجلس الامن على جنوب السودان بسبب التطهير العرقي وجرائم ضد الانسانية واستخدام الاغتصاب كوسيلة قتالية وجرائم حرب يرتكبها جيش جنوب السودان ضد مواطنيه".
حسب امنستي، قسم الرقابة على التصدير في وزارة الدفاع صادق على رخص التصدير للشركات الامنية الاسرائيلية لهذه الدول، رغم أن وضع حقوق الانسان هناك كان معروف. ورغم خطر أن التصدير الاسرائيلي سيخدم الاخلال بحقوق الانسان ورغم أنه على عدد من هذه الدول كان هناك حظر تصدير سلاح من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي. وعلى عدد منها توجد عقوبات من قبل هذه الدول أو من الامم المتحدة.
على الرسائل التي ارسلت الى قسم الرقابة على التصدير في وزارة الدفاع بهذا الشأن ردت رئيسة القسم رحيلي حن بصيغة مشابهة: "لا يمكننا كشف هل نحن نصدر الى تلك الدول، لكننا نحرص على فحص مناسب لوضع حقوق الانسان في كل دولة قبل المصادقة على رخص التصدير الامني لها". حسب امنستي هذا الادعاء لا يصمد في امتحان الواقع مثلما تظهر الامثلة بخصوص الدول الثمانية المذكورة في التقرير.
امنستي توصي بعدة خطوات تمكن حسب رأيها تحسين الرقابة على التصدير الامني. هي تعتقد أن اسرائيل متخلفة بعشرين سنة عن التشريع الامني وبعشر سنوات عن التشريع الاوروبي في هذا المجال. "يوجد لغياب الشفافية تداعيات سلبية اخرى منها اخفاء المعلومات عن الجمهور"، قالوا في امنستي. "النظرية التي تعمل وزارة الدفاع بحسبها هي أنه ليس هناك أي مصلحة عامة لمعرفة الى من يتم تصدير السلاح وكميته وبأي شروط. الحديث يدور عن نظرية خاطئة يبدو أنها تنبع من الرغبة في الاخفاء، من خلال استخدام "لغة بالية" لحماية أمن الدولة وعلاقاتها الخارجية.
وكتب في التقرير ايضا أن "غطاء السرية هذا يصعب جدا على الوصول الى بيانات. حسب معرفتنا، المعلومات التي قمنا بجمعها وعرضها في هذا التقرير هي طرف الخيط. الاغلبية الساحقة للبينات التي تم عرضها هنا تستند الى منشورات رسمية للدول التي وصل اليها السلاح مثل صفحة الفيس بوك لرئيس اركان جيش مينمار أو موقع المتحدثة بلسان حكومة الفلبين". معدو التقرير قالوا إن محاولة الحفاظ على السرية في عهد الشبكات الاجتماعية ووسائل الاعلام الدولية هي أمر مستحيل مصيره الفشل. "القارئ العادي سيسأل هل الدول العظمى المصدرة للسلاح (مثل الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي) لا تخاف من المس بأمن الدولة من خلال اتاحة المعلومات بالفعل؟ أو أن أمن الدولة هو فقط ذريعة وغطاء السرية يستخدم للحفاظ على مصالح جهات معينة في اسرائيل؟".
المنظمة ذكرت أن اسرائيل توجد في المكان الثامن في قائمة الدول التي تصدر السلاح الثقيل. بين الاعوام 2014 – 2018 بلغ التصدير الامني الاسرائيلي 3.1 في المئة من التصدير الامني العالمي، مقارنة مع السنوات الاربعة السابقة، سجل ارتفاع بلغ 60 في المئة في تصدير السلاح الاسرائيلي. حسب التقرير، الزبائن الثلاثة الكبار للسلاح الاسرائيلي هم الهند واذربيجان وفيتنام.
ولكن معدو التقرير كتبوا بأن الصناعة الامنية ليست فرع التصدير الاكبر والمدر الاكبر للارباح في اسرائيل. حسب وزارة الدفاع التصدير الامني يشكل حوالي 10 في المئة من اجمالي التصدير الصناعي للدولة. "شركات امنية اسرائيلية تصدر الى حوالي 130 دولة في ارجاء العالم، منها الدول التي تعتبر حسب الامم المتحدة والمجتمع الدولي دول تخرق حقوق الانسان بمستويات شديد، هي الاقلية". ولكن في اغلبها دول فقيرة وحجم صفقات التصدير الامني لمعظمها صغير نسبيا مقارنة مع باقي التصدير. حسب امنستي فان حظر التصدير الامني الاسرائيلي الى الدول الثمانية المذكورة لن يضر بالصناعات الامنية أو ارباحها، وبالتأكيد ليس بالجمهور الاسرائيلي. "لا يوجد أي مبرر، اقتصادي أو دبلوماسي أو امني أو استراتيجي للتصدير الامني لهذه الدول".
في امنستي يعتقدون أن "الوضع قابل للاصلاح". حكومة اسرائيل ووزارة الدفاع يجب أن تزيد الرقابة والشفافية مثل الاغلبية المطلقة للدول المصدرة للسلاح الكبرى في العالم باستثناء روسيا والصين. حسب اقوال المنظمة، الطريقة الصحيحة والاكثر نجاعة للقيام بذلك ستكون من خلال تعديل قانون الرقابة على التصدير الامني واضافة بندين اساسيين. الاول، منع اعطاء رخص للتصدير الامني الى دول يوجد فيها خطر أن يستخدم هذا التصدير في خرق شديد لحقوق الانسان حسب القانون الانساني الدولي. الثاني، تشكيل لجنة تكون مسؤولة عن فحص وضع حقوق الانسان في كل دولة هدف، التي يتم تشكيلها ليس فقط من موظفي وزارة الدفاع ووزارة الخارجية، بل ايضا من باحثين اكاديميين ومنظمات لحقوق الانسان مثلما هي الحال في دول اخرى. "الرقابة لا يجب القيام بها فقط، بل يجب رؤيتها ايضا. ويوجد للجمهور الاسرائيلي الحق الكامل في معرفة الاعمال التي تتم باسمه وبالموارد التي تعود للجمهور"، جاء في التقرير.
سياسة الغموض
مصدر كبير في جهاز الامن مطلع على تقرير امنستي قال للصحيفة إنه في السنوات الاخيرة تمت مناقشة جزء كبير من الادعاءات المطروحة في التقرير، والى جانبها معلومات بشأن صفقات سلاح مع دول معينة، في التماسات للمحكمة العليا. القضاة ناقشوا ايضا، ضمن امور اخرى، التماسات بشأن صفقات مع جنوب السودان والكاميرون والمكسيك، ولكن في جميع الحالات وافقت المحكمة على موقف الدولة بأن النقاش يجب أن يتم بوجود طرف واحد فقط (الدولة) وأن القرارات يجب أن تبقى سرية.
حسب اقوال هذا المصدر فان مستوى الرقابة على التصدير الامني ازداد منذ التشريع والصلاحيات التي يعطيها القانون لوزارة الدفاع منها العقوبات الاقتصادية ومنع التصدير وحتى اجراءات جنائية، والبعيدة المدى اكثر من دول كثيرة اخرى. "عملية اعطاء الموافقات المتبعة في اسرائيل طويلة وشديدة وتثقل الاجراءات على المصدرين. مكانة وزارة الخارجية في اعطاء الرخص هي مكانة قوية ومستقرة وغير مرتبطة بوزارة الدفاع"، قال واضاف "عندما تكون هناك بينات بشأن المس بحقوق الانسان في الدول التي تشتري السلاح الاسرائيلي فنحن نتعامل مع ذلك بكامل الجدية في اعتباراتنا. من الصحيح أن الدول المتنورة تعطي مكانة هامة للقوانين المتبعة لدينا وتهتم بكيفية قيامنا بالرقابة. وقد اعترف هذا المصدر بأن اسرائيل تتبع سياسة الغموض بخصوص صفقات سلاحها. "نحن لا نعطي أي معلومات بشأن هل قمنا ببيع السلاح والى أي دولة. لقد كشفنا لقضاة المحكمة العليا عن التفاصيل ولا يمكننا تأكيد أو نفي الصفقات. الملتمسون يحصلون على اجابات مقتضبة ومحددة، ولكن هناك ضغط سياسي وامني يبرر ذلك. دول اخرى ربما يمكنها ممارسة الشفافية، لكننا نوجد في مكان آخر. نحن لا نلغي باشارة يد النقاش في ذلك، الاسئلة مشروعة ولكن القرارات والسياسة تتم بلورتها بعد أن يتم أخذ كل الاعتبارات ذات الصلة في الحسبان".
صورة وضع مخيفة
الوتيرة المتزايدة للاحداث في الاشهر الاخيرة – جولات القتال في غزة والحملة الانتخابية والتوتر الجديد بين امريكا وايران – تقريبا لم تفسح المجال لمناقشة مسائل اخرى هنا بتوسع، التي تأتي الى عناوين الصحف فقط في اوقات متباعدة اكثر. ولكن تقرير امنستي الذي ينشر منه أجزاء هامة اليوم للمرة الاولى في "هآرتس"، حسب رأيي استراحة من العناوين الدارجة.
اسرائيل توجد الآن في ذروة ازمة تشريعية وسياسية غير مسبوقة نتائجها يمكن أن تنعكس بشكل صعب على مكانتها كدولة قانون. اذا نجح رئيس الحكومة نتنياهو في مخططاته (الآخذة في التكشف) في وقف الاجراءات القانونية ضده وسن قانون الحصانة وتقييد صلاحيات المحكمة العليا، مسائل اخرى من شأنها أن تبدو امور هامشية مقارنة بذلك. يوجد درجة من المنطق ايضا في الادعاء بأن اسرائيل لا يمكنها التصرف كراهبة ورعة في سوق السلاح الدولية.
مع ذلك، تقرير امنستي يرسم صورة مخيفة للوضع مدعومة بمعلومات موثوقة والى جانبها اقتراحات للتحسين تبدو معقولة جدا. وكما تشهد التقارير المتراكمة في السنة الاخيرة، فان المشكلة غير مقيدة بتزويد السلاح الخفيف، بل من شأنها أن تشتد بسبب نشر برامج سايبر هجومية تم تطويرها في اسرائيل، وامكانية استخدامها من قبل انظمة ظلامية. حتى لو تم هذا الامر بواسطة طرق ملتوية من المتعهدين الفرعيين فان الدولة لا يمكنها غسل يديها من ذلك. لذلك من الجدير الاصغاء، سواء الى الانتقاد أو الى الاقتراحات الموضوعية للتحسين التي تطرحها امنستي ونشطاء ومنظمات حقوق انسان آخرين.