في حضرة الذكرى الـ 71 للنكبة

 عبير البرغوثي

في ذكرى النكبة الفلسطينية الـ 71، أجيال مضت وأجيال تأتي وما زالت النكبة تشتد بتداعياتها على الإنسان الفلسطيني في كل مكان، وتتجلى تأثيراتها على الأرض لأنها أساس الصراع وجوهر الأمن والسلام والاستقرار، 25,915 يوما من النكبة وما زال العداد مستمرًا، ما زال النزيف وما زالت الجروح لم تشف، فصول من المعاناة عاشها الأجداد وحملها الآباء واستلمها الأبناء من بعدهم، جيل مضى وهو يحلم بالعودة وجيل وربما أجيال جديدة تواصل الطريق نحو وطن بلا نكبة، ونحو حياة بلا نكبات!
ترحال من خيمة الى مخيم مؤقت، الى مخيم متنقل في بلاد الشام، فحتى النكبة تتجدد على الضعفاء في كل مكان، وكأن قدرهم مواجهة هزات الزمن وتقلبات الأيام وتغير الدول،  فالمخيمات التي كانت تؤوي الفلسطينيين وتتسع لغير الفلسطينيين ممن غدرت بهم الأيام، لم تبق  على حالها، فالحفاظ على معالم النكبة، بعد مرور هذه السنوات لم يعد أمراً مسلماً به، وهذه معركة جديدة، يومية، فيها كل أنواع المخاطر، على الإنسان، الهوية، المخيم، على ذاكرة النكبة بحد ذاتها، والمتربصون بها كثر.
انه زلزال الفوضى الذي يضرب كل حجر في منطقتنا، دمار يراد له ان يعيد تشكيل معالم وحدود كل شيء، ومخيمات اللجوء الشاهدة على النكبة هي من الضحايا المباشرين لهذه التغييرات، فمسكين هذا اللاجئ، حتى شهادته على النكبة من خلال مسكنه البسيط في مخيم تستضيفه هذه الدولة أو تلك لم يعد آمناً، إنها نكبة جديدة على رؤوس الجميع.
وعلى الأرض يستمر الصراع، فمن يملك الأرض يملك الشروط ويحدد قواعد اللعبة، ويستدعي ويستثني اللاعبين، ويتآكل الحد الادنى اللازم من متطلبات الأرض اللازمة لصمود الانسان، واستمراره على ارضه، ومتطلبات الارض اللازمة لمشروع حل الدولتين!
فوفق البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء، استمر نزيف الأرض لصالح الاستيطان على حساب المواطن في الأراضي الفلسطينية، وخاصة في المناطق المصنفة (ج)، والتي تبلغ مساحتها 3,375 ألف دونم، يستغل الاحتلال حوالي 2,642 ألف دونم من هذه المساحة، وما يزيد من ارتدادات النكبة في هذا العام، استمرار نهب المياه والأراضي الزراعية وتشديد الإجراءات على وصول المواطنين والمزارعين لأراضيهم، حيث تشير الأرقام الاحصائية الرسمية الى أن مساحة الأراضي المصنفة على أنها عالية أو متوسطة القيمة الزراعية تشكل نحو 37% من مساحة الضفة الغربية، يستغل الفلسطينيون نحو 17% من تلك المساحة في الضفة الغربية، ويعود ذلك للإجراءات المفروضة من قبل الاحتلال والمخاطر المرتبطة بالوصول الى تلك الأراضي خاصة وأن المناطق المصنفة (ج) تشكل حوالي 60% من مساحة الضفة الغربية، وهي منطقة مهمة من كافة النواحي وما زالت تقع تحت سيطرة الاحتلال الاسرائيلي الكاملة، وتشهد العديد من الإجراءات الأمنية، والمصادرة، وتجريف الأراضي والمزروعات لأسباب أمنية واستيطانية، حيث أفادت الإحصاءات الرسمية أن الاحتلال قام بتجريف واقتلاع 7,122 شجرة خلال عام 2018، ليصل عدد الأشجار التي تم اقتلاعها الى أكثر من مليون شجرة منذ العام 2000 وحتى نهاية عام 2018, وفق البيانات الرسمية للجهاز المركزي للإحصاء.
ما يزيد من تأثير وتعقيدات ذكرى النكبة لهذا العام، إنها تتزامن مع استمرار حالة التراجع والضعف والحروب التي تشهدها منطقتنا العربية، حروب واقتتال يأكل الأخضر واليابس من مقدرات المنطقة، يعيد دولها لعشرات السنوات للوراء، يخلق أزمات انسانية ووجودية لملايين المشردين، فالنكبة أصبح لها أخوات من نكبات العرب والمسلمين في كل مكان، وخطورة ذلك يرتبط بمشاريع سعت منذ سنين لترحيل الملف الفلسطيني بنكبته ونزوحه الى آخر الاهتمامات الاقليمية والدولية، على أمل تناسيها عبر الزمن  وتحت تراكم الأزمات الجديدة، انه التحدي الذي تعيشه القضية في ظل تفاقم أزمات المنطقة دون وجود أفق قريب لحلها، فدروس التاريخ تظهر أن الأسهل في منطقتنا يتمثل بنشوء الخلاف والصراع وبقائه لسنوات وعقود، مقابل صعوبات في إيجاد الحلول، فترى الخلاف يعمر  ويورث من جيل الى جيل، فيما الوفاق يموت سريعا ودون مقدمات! .
للأسف لم يتعلم العرب من النكبة الاولى، فتوالت عليهم النكبات، لم يستخلصوا الدروس والعبر من اللجوء الأول والنزوح فيما تلاه، فأصبحوا الآن يعانون اللجوء والشتات، لم يتفقوا على طريق وقف النزوح واللجوء، فباتوا إما لاجئين وإما نازحين داخل اكثر مدنهم استقراراً، كل ذلك ومسلسل الاحتراب والتدمير مستمر، انه ركام وظلام يزيد من اعباء النكبة على المنكوبين واللاجئين والنازحين، وللمفارقة باتت مخيمات اللجوء الجديدة تضم قاطنين من جنسيات كثر، ولسان حالهم يقول " لقد توحدنا في اللجوء فمتى نتوحد في العودة للديار؟".
اخيرًا، ورغم قساوة الظروف التي تتزامن مع ذكرى النكبة 71 داخل الوطن وخارجه، ومع اشتداد الهجمات والضغوط من الجهات كافة وتحت المسميات كافة، الا أنها لن تكسر الإيمان بحلم وحق العودة،  إنها مسيرة متواصلة، جيل يمضي ويأتي جيل جديد، فالحقوق لا تموت بالتقادم وتراكم الأيام، والاحتلال لا يدوم، وموعدنا غداً في وطن حر ومع شعب سعيد، وكل عام وشعبنا وقضيتنا بألف خير!