قدوتنا أم لا؟ احكموا بأنفسكم!

د. جمال نزال

في نهاية كل عام من سنوات دراستي الابتدائية دأبت على الاحتفاظ بكتاب اللغة العربية على وجه التحديد وقمت بشرائه. وأحتفظ ليومنا هذا بغالبية كتب اللغة العربية المقررة لما بين الصف الثاني الابتدائي والتوجيهي. ومؤخرا وقعت بلائحة كتبتها بخط يدي قبل عام 1989 تتضمن سجلا للمائة كتاب الأولى التي قرأتها قبل التوجيهي وكنت فقدتها منذ عشرين عاما! لم تشمل اللائحة كتابا (فيه) قصيدة لنزار قباني بعنوان مثير: "الذين يزنون بالكلام". الزنى بالكلام غدا اليوم ظاهرة متجددة ليس بسبب نشوء فرضية "الحقائق الافتراضية" وإنما بزوغ فجر الأخبار المكذوبة. في فلسطين اشتعل أوار حرب الأكاذيب والأضاليل مع الحملة الانتخابية لحماس في 2005 وأبرز مرتكزاتها حرق السمعة وبث الأكاذيب حتى الموت. اغتيال السمعة هو مقدمة لاغتيال الشخص المستهدف.
محاولة نزع الشرعية عن الأشخاص وعن الحقائق هو ديدن سقيم لحركة حماس.
إذا قيل للاخوان إن قيام السلطة الوطنية على جزء من تراب فلسطين هو لبنة قيام دولة فلسطينية قالوا هذا تنازل عن 78% من فلسطين.
وإذا قيل لحماس: إن المطار الذي بناه ياسر عرفات في غزة منصة إقلاع للاستقلال قالوا (وهم يلهثون اليوم على هيئة مدرج يتسع لحمار واحد لو بمقدورهم النفاذ من على صهوته إلى قطر مجاور حتى لو هو الصومال) إن هذه سيادة منقوصة!
واذا قيل لهم إن 850 ألف فلسطيني عادوا من الشتات لفلسطين بعد أوسلو قالوا (والناس تهاجر من بطشهم إلى البحر) إن هذا غير مهم!
اليوم هم على منوال: تهدئة بعد تهدئة تتخللها هدنة ثم مناوشة يعقبها هدوء. هدوء يعقبه حقائب مال ثم حرب يتسببون خلالها باستشهاد ألف فلسطيني. ثم يوافقون على كل شيء رفضوه في الجولة الماضية يصيحون: هذا انتصار!

هم يجهلون أن "الحقيقة العذراء" لا تفقد براءتها عشرين مرة بل مرة واحدة فقط. لكنهم يزجون للرأي العام بالعروس نفسها في الثوب نفسه كلما استمرأت نفوسهم الخداع وسولت لهم بالكذب.
هل هم القدوة؟
محمود عباس مفكر وأكاديمي وسياسي فلسطيني شارك في انطلاقة فتح وصار رئيسا. كان محمود عباس يعيش وهو قائد مؤسس لحركة فتح حرية المفكر والسياسي طليق اليد في وضع دراسات واستراتيجيات. في 2004 وقعت على رأسه مصيبة كبرى وضعت حدا لحرياته الشخصية. استشهد أخوه الأكبر ياسر عرفات. صار الناس أيتاما فهرعوا إليه وجعلوه رئيسا منتخبا ديمقراطيا لكل الشعب الفلسطيني. تم إلقاء الحمل بكامله على كاهل الرئيس محمود عباس. في عام 2005 قال عنه خصومه هذا رجل يصلح لرئاسة السويد أو بروفيسور جامعة. قالوها وذهبوا للفراش. استيقظوا في 2009 بعد المؤتمر السادس لحركة فتح ليجدوا أن أقدم رؤساء العالم قد يقف بين يدي العالم محمود عباس وقفة التلميذ. منذ حينه مر الرئيس بألف اختبار واختبار أظهر فيها شجاعة وقوة شكيمة ولا لانت عريكته حتى في مجابهة ضغوط من قوى عظمى لا تظهر صغيرة إلا أمام استجابتها لمصالح إسرائيل.
ربما التقطت لرئيسنا عشرات الصور في البيت الأبيض وهو في زيارة بوش أو اوباما وترامب نفسه. ولكن إصراره وإصرارنا على التمسك بالقدس والاستقلال التام والسيادة الكاملة لدولتنا صار صخرة تكسرت عندها وعليها العلاقة مع إدارة ترامب. أغلق مكتب منظمة التحرير في واشنطن وتم وقف كافة أشكال الدعم المالي لفلسطين حتى المنح العلمية المخصصة لطلاب فلسطينيين توقفت.
انتهت الحال بعلاقتنا مع الأميركان على أنهم قطعوا كل أشكال الدعم المادي للسلطة الوطنية والمنظمات الدولية التي تتعاون مع فلسطين كما يضغطون على الدول التي تقدم دعما لفلسطين. وذلكم هو مقدار امتعاضهم من رئيس دولة فلسطين وحركة فتح. وذلك هو شكل استعدائهم تطلعاته القائمة على السيادة الكاملة لا بديل.
حماس والحقائب:
من كتبي في المدرسة الابتدائية قصة عن الخليفة عمر بن الخطاب والبرود اليمانية (الأقمشة التي جاءت هدية من اليمن).
أرسل يمنيون قطعا من القماش لرجال الدولة في زمن عمر ولوحظ أن "مساحة" كل قطعة لم تكن بكافية لتفصيل ثوب كامل لرجل بل جاءت قصيرة. دخل عمر إلى مجلس للصحابة لابسا ثوبه الجديد طويلا كاملا! فوجئ بذلك أهل المجلس وصاح رجل: يا عمر، إن قطعة القماش المخصصة لكل رجل منا لم تكن كافية إلا لثوب قصير. فكيف ترفل أنت بثوب كامل وأنت رجل طويل القامة؟؟ فالتفت عمر إلى ابنه وقال له يا ابن عمر أوضح لهم الأمر (الاقتباس ليس حرفيا).
فقال ابن عمر: إنما أهديت ثوبي لوالدي فأنشأ من حصتي وحصته ثوبا واحدا.
بين هذه الواقعة ونشوء حماس عام 1988 لا يوجد شيء في ذهن رجل كمحمود الزهار. الصوت الوحيد المسموع في وعي حماس عن هذه الفترة البالغة 1500 عام هو تكرار للحرف الحادي عشر من الأبجدية العربية. لا تعدوا إنه حرف "الزاي" مكرر في أذن الإخوان 28 مليون مرة كناية عن جهلهم بالتاريخ..
بعد مرور 1500 عام على هذه الواقعة جاء رجل إلى حماس قائلا: نبغي هدوء. فصنعوا المزيد من الهدوء. وسألوا: هل ستدخل حقائب المال؟ قيل ائتونا بكشوف اسماء الباشوات والبصمات إن كنتم فاعلين. قدموا كشوف أسماء ألوف أعضاء حماس لإسرائيل مرفقة بالبصمات وصور الهوية وبعضها يحمل ابتسامات مؤنسة. مررت إسرائيل بعد نشاف الريق حقائب المال لحماس مع شبرة ووردتين بعد أن اقتطعت منها ثلاثمائة الف دولار من أصل خمسة عشر مليون. فتحوا الشنطات وقعدوا يأكلون. بهدوء. خلال هذه الوجبة وعلى بعد ما يربو على 100 كيلو متر شرقا حصل في رام الله خطوب بعنوان:
المقاصة وقرار الفدائي الأول
بعد سنوات من التحريض على الرئيس وفتح من قبل إسرائيل والولايات المتحدة على أرضية ما تقدم السلطة الوطنية من مخصصات مالية ومعاملة تفضيلية لعشرات الالوف من أسر الشهداء والجرحى والأسرى قررت إسرائيل اقتطاع ما يعادلها من أموال المقاصة وأرسلت الباقي لحساب السلطة الوطنية فقذفه الرئيس في وجوههم ولسان حاله: إما كاملة أو لا شيء. حاول العالم كله إقناعه بقبول المتاح ورفض حتى الآن.
في هذا العام فازت حركة الشبيبة الطلابية الذراع الطلابي لحركة فتح في سبع جامعات هزم فيها الإخوان مسلمون حتى قد قميصهم من قبل ومن دبر وهم مقمحون. ذلك كناية عن اقتناع الجيل الشاب بحركة فتح وبمحمود عباس رئيسا.
كتاب قدوتنا رئيسنا.
وإن ظن البعض أن الإعجاب بالرئيس مقتصر على طلبة وشبان في سن 18 فما فوق كما تم التعبير عنه في صندوق الانتخاب فوجئ الناس بأن طالبات مدرسة دون سن 18 استجمعن من كتابات ودراسات المفكر والرئيس محمود عباس في كتاب عنوانه "قدوتنا رئيسنا".
جن جنون الآثمين وهم بانتظار حقائب مال يتخللها هدنة تعقبها حرب تتخللها جعجعات إعلامية فارطة. ثم ينحسر الغبار ونكون أمام مشهد فيه مئات الشهداء ومئات البيوت المهدمة وآلاف من الجرحى. ويغيب جماعة الهدنة والحقائب عن الناس لا يتدخلون وأيديهم في جيوبهم يصفرون وينظرون للسماء. ثم يأتي الطبيب والقائد والأب. جملك حملك ويقوم بالواجب. إن لم يكن هذا قدوة فما هي القدوة اذا؟