أسمهان عليان من طفلة بائعة مجلات الى سيدة أعمال متميزة

رام الله- الحياة الجديدة- ندى ابوغوش - بوجه باسم، ووجنتين ضاحكتين، تستقبلك أسمهان عليان بثوب تقليدي مطرز باللونين الأحمر والبنفسجي تزينه وردات مصنوعة من القماش، وقد غطا رأسها شال يميل إلى الصفار تبرز في مقدمته جبهة سوداء، لتسرد لك قصة امرأة نسجت من خيوط المعاناة تحديا واصرارا على الوصول، لتصبح تلك الطفلة بائعة المجلات سيدة أعمال تقود واحدة من الشركات الرائدة في مدينة القدس المحتلة.
ترعرعتاسمهان بين ثمانية أخوة، هي ثالثهم من حيث الترتيب،بدأت تبحث عن مكانة لها تحت الضوء وهي في الثانية عشرة من عمرها، باحثة عن نفسها وعن مساحةتتسم بالاختلاف والتميزعن باقي محيطها، فعملت في سن صغيرببيع مجلة "المرأة " التيأسسها مركز الدراسات النسوية في القدس بإشراف الدكتورة فدوى اللبدي.  استمتعت اسمهان بقراءة المجلة أثناء توزيعها لتنهل منها الثقافةالمتعلقة بمواضيعخاصةبالمرأة. كانت تتردد على المجلة في بعض الأوقات وتشاهد كيفية عمل المونتاج وطباعة الأوراق وقصها باليد ولصقها،  ومن هنا، نمت في دواخلها آمال بأنها تريد أن تصبح امرأة قوية معتدة بنفسها لتحقيق النجاح المنتظر ولم تتوقع يوماً ان ينتهي بها المطاف في قيادة شركة دعاية واعلان جُل اهتمامها الكتابة والمونتاج.
ولدت أسمهان في قرية أبوديس عام 1973م وتخرجت من مدارسها الثانوية، لم تكن محظوظة حيث تم اعتقال شقيقها وزميلها بالدارسة اياد اثناء تقديمهم امتحانات التوجيهي في الانتفاضة الاولى، اصرت اسمهان على ان تُبطىء من خطواتها حتى يخرج شقيقها من السجن ويكمل مسيرته التعليمية.  اغلقت الجامعات الفلسطينية ابوابها بسبب الانتفاضة عام 1990 فما كان منها الا ان تلتحق ببرنامج دبلوم ادارة مكاتب ليمكنها من العمل ومساندة الاسرة  حيث كانت تعيش معظم العائلات الفلسطينية تحدي اقتصادي نتيجة الانتفاضة الاولى،  شعرت بتحمل المسؤولية وبادرت بمساعدة والديها في تعليم اشقائها وايثارهم على نفسها فعملت في المؤسسات التنموية الدولية عملاً كان يطمح ان يصل له كل انسان طموح. تمكنت اثناء عملها من انهاء شهادة البكالوريس في الادارة والتسويق، لم تغادر المؤسسات الدولية لمدة ثمانية عشرة عاما مما اكسبها الخبرة المتراكمة والكفاءة العالية.
 
بقي حلمها انهاء التعليم العالي، فتقدمت لبرنامج الماجستير اكثر من 10 مرات وفي كل مرة تنسحب من البرنامج لإيمانها بان تكريس وقتها لاطفالها هي اولويتها في ذلك الوقت. ولكن احلامها تبقى قيد الانتظار حتى تحققها فأخيراً انتهت برنامج الماجستير من احدى الجامعات المرموقة على مستوى العالم بالادارة جامعة "جنيفا للادارة "، بالاضافة الى ذلك تم قبولها ببرنامج الدكتوراه لتلبي طموحاً لم تجد له متسعاً في مقتبل العمر.
اختارت منظمة "الأصوات الحيوية" السيدة اسمهان كواحدة  من(61) شخصية ريادية لديها القدرة على تطوير مشروعها, تم تكريمها من عدة مؤسسات محلية ودولية لدورها في خدمة النساء واخيرا هي مُحَكَم بجائزة التعاون للريادة لمدة سنتين متتاليتين.وهي أيضاً مستشارة في مؤسسة شيري بلير تقدم النصائح والارشاد للنساء حول العالم.
حول سبب توجهها للقطاع الخاص اجابت انه اثناء عملها بمؤسسات التنمية وعلى الرغم من كل ما يصل من مساعدات ومنح الا انها لم تلاحظ اي تقدم على ارض الواقع الفلسطيني بل على العكس هنالك تراجع مستمر، مقارنتها بين فلسطين اليوم وفلسطين عام 1948 جعلها تستنتج انها في الماضي كانت أكثر تقدماً وجمالاً ونجاحاً.
واجهت  ام عمرو العنصرية في سن مبكرة لها وهي في التاسعة والعشرين من العمرعندما قررت ارتداء الحجاب في المؤسسة الدولية، فرغم حبها واحترامها لزملائها الى انها تعرضت للأذى والإهانة منهم بسبب ارتدائها الحجاب، كانت تغلق  باب مكتبهالتدعو الله على سجادة صلاتها أن يثبتها. جاءت احداث سبتمبر ووقتها كانت حاملاً بإبنها الثاني ، وعندما سؤلت عن اسم المولود اجابت "محمد" ، استشاط مديرها غضباً، رافعاً صوته عالياً: لماذا محمد؟!..  العالم كله ضد الاسلام . شعرت بسلوك عنصري، ترك فيها أثرا سلبياً كبيراً بالرغم ايمانها بأن هناك نموذج رائع للتعايش الاخوي بين كافة الطوائف في فلسطين.  انتقلت الى العمل في مؤسسة دولية اخرى لتواجه الكثير من الاسئلة والانتقادعن سبب ارتدائها الحجاب،عملت مع مديرة امريكية من أصول اوروبية كانت تقول لها :انتم تلعبون الرياضة خمس مرات باليوم! قدمت اسمهان استقالتها نتيجة شعورها بالاضطهاد ولم يتم قبول الاستقالة إلا بعد أربعة أشهر من تقديمها، شعرت بعدها بالحرية والانتصار.
في عام 2012 قررت الانطلاق إلى عالم الاقتصاد الذي لا يمكن النجاح فيه الا بالاعتماد على الذات، مؤمنة أن التنمية يجب أن تقوم على أساس التحرر من المانحين والأجندة الخارجية وتحقيق الاستقلالية الاقتصادية.تحدثت عن التحديات المصاحبة لها ولكل امرأة مقدسية من ظروف اقتصادية وضغوط اجتماعية وسياسية صعبة حيث تبلغ نسبة البطالة بين النساء في القدس 80 %،واكثر من 78% من الافراد يعيشون تحت خط الفقر، ولكن هذه التحديات رغم قساوتها الا انها تراها تحديا ومغامرة للوصول إلى الهدف بتلذذ وانتصار.
ساهم  زوجها بدعمها في مسيرتها لخبرته في مجال الاقتصاد والاعمال وشكل ابناؤها دعماً معنوياًلها، معبرين عن فخرهم بنجاحاتها، كما ساندها في مسيرتها والداها وأخواتهافقامت بتأسيسشركة " سمارت آرت للدعاية والإعلان" حيث بدأت بتغيير الفهوم السائد في القدس حول الدعاية والاعلان، فاغلب المشاريع تفشل لانها تعتبر مصاريف الدعاية والاعلان مصاريف تكميلية وليست أساسية، قامت من خلال شركتها بتدريبات للمشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر وخاصة فئة النساء في القدس، خلال السنوات الاخيرة حيث دربت حوالي 500 سيدة من القدس والضفة وغزة على الريادة والادارة والتسويق.
رسالتها دوماً هي العمل على مواجهة التحدي والصعاب وعدم الخوف من السؤال، فالبحث المستمر مفتاح للمعرفة، واليوم تدير اسمهان مؤسسة رائدة تعمل على توظيف النساء في القدس التي تعاني من ارتفاع في صفوف البطالة وخاصة بين النساء، لتساعد المقدسيات على الصمود والثبات  في وجه آخر احتلال في هذا العالم، تجتهد لتكبر مشروعها، وهي أكثر اصراراً وايماناً بأن المرأة يمكنها أن تكون قيادية مهما كانت الظروف صعبة.