من التهدئة الى القتال

إسرائيل اليوم– يوآف ليمور

صافرة الانذار التي ايقظت في الساعة الخامسة والنصف من صباح يوم امس (الأول)، كانت تذكيرا لسكان ناحل عوز والمحيط بان غزة لا تزال هنا. هذا لا يعني ان احدا ما في الغلاف كان يحتاج هذا حقا: فقبل بضع ساعات فقط من ذلك اطلقت مرة اخرى بالونات متفجرة وحارقة الى الاراضي الاسرائيلية، ما ادى الى اطلاق غارة على اهداف لحماس في القطاع في ساعات متأخرة من الليل.
قبل بضعة ايام من ذلك اطلقت الصافرة في مناطق واسعة (وشمالية) اكثر. حصل هذا بعد أن اطلق الجهاد الاسلامي صاروخا من شمال القطاع الى منطقة اسدود. ولشدة الحظ سقط الصاروخ في ارض مفتوحة، دون أن يلحق ضررا او اصابات، ولكن بخلاف الماضي – هذه المرة احد لم يتجرأ حتى على الادعاء بان هذا كان بالخطأ. فاطلاق النار نفذه عن قصد التنظيم. وأدان الناطق العسكري رسميا من أمر به: قائد الجبهة الشمالية في الجهاد دعاء ابو العطا، ما كان يمكن تفسيره كبطاقة صفراء اصدرتها اسرائيل له ربما اعدادا بانه اذا واصل "العربدة" فانها ستعمل على ابعاده عن اللعب.
ينفذ هذا "الارهاب" رغم اتفاق تهدئة صريح بين اسرائيل وحماس، تحقق عشية يوم الارض الاخير بوساطة مصرية. اسرائيل، في رد محسوب نسبيا، اكتفت هذا الاسبوع بتقليص المنطقة المسموح فيها للصيد من 15 الى 6 ميل بحري ولكنها امتنعت عن تحطيم الاواني، والدليل: المحادثات للوصول الى تسوية طويلة المدى استمرت كل الوقت بينما كان الطرفان – اسرائيل وحماس – يؤكدان انهما ملتزمان بها.     
هذا الذي يلتزم بالتهدئة وذاك الذي لا يلتزم.
غير أن هذه الايام عصبية على نحو خاص. بالضبط مثلما كان عشية يوم الارض، حين عرفوا في غزة بان اسرائيل قابلة للابتزاز على خلفية عدم رغبتها بالتصعيد عشية الانتخابات وعيد الفصح، فان الاسابيع القادمة هي الاخرى تضع اسرائيل في وضعية اقل راحة حيال القطاع. فسلسلة الاحداث – التي بدأت امس (الأول) مع يوم الكارثة، ستستمر في الاسبوع القادم مع ايام الذكرى والاستقلال ويوم النكبة في منتصف ايار، وعندها مع جملة احداث الايروفزيون – تعطي مرة اخرى المنظمات في غزة فرصة للضغط على اسرائيل التي ستفعل كل شيء كي تمتنع عن الانزلاق الى مواجهة.
في غزة يشخصون هذا بلا شك، ولكن سياسة المنظمات ليست موحدة. فحماس متمسكة بالتهدئة؛ كل المؤشرات تدل على ذلك. صحيح أنها تسمح بقدر معين من الاعمال، ولكن بحماسة اقل بكثير من الماضي. من ناحيتها، كل حدث كهذا، من شأنه ان يتدهور الى التصعيد، يعرض للخطر الهدف الاساس – تحسين الوضع الاقتصادي الذي هو شرط اساسي للحفاظ على حكمها في القطاع.
بالمقابل، فان الجهاد الاسلامي اقل التزاما بالتهدئة. فهذا ليس فقط ميله الطبيعي للعزلة ورغبته في حفظ نار الصراع ضد اسرائيل: فالتنظيم اجتاز في الاشهر الاخيرة تطرفا واضحا يقلق اسرائيل جدا. فتغيير قيادته، ونقل السيطرة الى زياد نخالة، الشاب و"المتطرف" (واصله من غزة)، يجد تعبيره باصبع رشيق اكثر على الزناد.
يتنقل نخالة بين دمشق وبيروت. وهو على اتصال مستمر مع كل أذرع المحور - ايران، سوريا، حزب الله – ويعيش تحت رعايتهم وعلى حسابهم. وبصفته هذه فان التزامه تجاه ايران اكبر باضعاف من التزام حماس؛ احيانا يجد صعوبة في صد ضغط طهران للعمل. ليس مؤكدا ان هذا كان الحال هذا الاسبوع. ولكن النار الى اسدود كانت اشارة واضحة اخرى الى انه بينما تعمل اسرائيل مع حماس – بالصواريخ او بالكلام – فان الذي من شأنه ان يشوش على الخطط هو الجهاد بالذات.
في المرحلة الحالية تواصل اسرائيل الخط العادي: المسؤولية تلقى على حماس. حتى لو كان الجهاد يهاجم، فان اسرائيل ترد على اهداف لحماس كي توضح بأنها بصفتها "رب البيت" في القطاع فانها تتوقع منها ان تحرص على التزامها بالتهدئة. غير أنه ليس مؤكدا كم من الوقت ستكون هذه السياسة ناجعة؛ فحماس تبدي صعوبة متزايدة في مواجهة الجهاد. وهذا ليس فقط لقوة الجهاد العسكرية والسياسية وعلاقاته مع ايران – المسؤولة ايضا عن جزء من التمويل لحماس – بل وايضا المعرفة بأنه يمسك في يديه مفاتيح التصعيد، ومن هنا الرغبة في مصالحته كي لا تنجر حماس وراءه الى مطارح غير مرغوب فيها.
مشكوك ان تكون اسرائيل بحاجة الى مواصلة هذه اللعبة على مدى الزمن. فهي تعطي قوة كبيرة جدا لجهات مسؤوليتها محدودة. فأمر واحد هو التعامل مع يحيى السنوار، مهما كان "مخربا ومجرما" ولكنه يضع اقتصاد ورفاهية  مليوني من سكان غزة كل صباح امام ناظريه، وشيء آخر هو الرقص على انغام اكرم عجوري، قائد الجهاد في القطاع ومن اهتماماته اضيق بكثير.
 
البحث عن حلول مدنية
طرحت في السنة الاخيرة في اسرائيل افكار لتغيير السياسة تجاه الجهاد. استغلال احدى جولات التصعيد وتركيز الضربة عليه. هذا لم يحصل، في كل مرة لاعتبارات مختلفة، ولكن يحتمل أنه حان الوقت. فالجهاد الاسلامي هو مصدر ذو وزن يرفض الطاعة لقوانين اللعب. وكان اطلاق النار هذا الاسبوع نحو اسدود مثال واحد يستوجب، على الاقل، اجراء اعادة تقويم للسياسة تجاهه. هذا لن يؤدي الى تغيير في الشروط الاساس في غزة، ولكنه سيخرج الجهاد من مجال الحصانة المريح الذي تتمتع به اليوم.
اسرائيل تمتنع حاليا عن ذلك. وكما اسلفنا، فان شهر ايار ليس جيدا للحرب، وبعده يأتي رمضان وعندها ستأتي صفقة القرن لترامب. كل هذا ينطوي على اسباب لا تنتهي – وهمية او حقيقية – للتصعيد، الذي مشكوك ان يحصل: لقد أثبتت اسرائيل في السنة الماضية استعدادا للتنفس العميق والسير بعيدا لغرض الامتناع عن القتال، ومعقول ان تتصرف هكذا في المستقبل ايضا، بما في ذلك منح بادرات طيبة وتسهيلات اخرى للقطاع.
كما أن دخولا محتملا لافيغدور ليبرمان لوزارة الدفاع لن يغير الوضع. فقد انسحب ليبرمان من الحكومة في شهر تشرين الثاني الماضي بعد ان ردت مطالبته بمعركة واسعة تجاه حماس. فنتنياهو ورئيس الاركان في حينه آيزنكوت فضلا التركيز على الاعمال ضد انفاق حزب الله في الشمال، ولكن هذا المبرر لم ينجح في اخفاء عدم الحماس الاساسية للانزلاق نحو معركة في غزة.
لا يختلف رئيس الاركان الجديد افيف كوخافي جوهريا عن سلفه في الاستراتيجية التي يرغب في تصميمها تجاه القطاع. صحيح انه أكد عنصر الجاهزية لامكانية الانزلاق الى تصعيد، ولكنه يؤيد الحلول المدنية، الاقتصادية والانسانية التي تؤدي الى تحسين وضع السكان في غزة.
في هذه الاثناء، تواصل حماس كونها شريكا في هذه السياسة. وللطرفين لا يزال هناك طريق غير قصير للتقدم في الحوار، قبل أن يكونا مطالبين بالوصول الى افعال. وفي حينه ايضا ستأتي المعاضل، وعلى رأسها "جثتي الشهيدين من الجيش الاسرائيلي والمدنيين الاسرائيليين المحتجزين في غزة". هنا ايضا، توجد افكار ابداعية طرحت مؤخرا لم تنضج بعد. هذا يتطلب وقتا، مثل المحادثات بشكل عام - في اثنائه ستنشأ ثقة بين الطرفين. غير أن للزمن قوانين خاصة به: فهو يخدم ايضا اولئك الذين من شأنهم ان يعرقلوا كل الجهود، ويغيروا الاتجاه في القطاع – من التهدئة الى القتال.