بلورة سياسة شاملة

معاريف – ايلي بن مئير

أودعت دولة اسرائيل مؤخرا في الحساب البنكي للسلطة الفلسطينية نحو 600 مليون شيقل من أموال الضرائب، وذلك على أمل أن تستخدمها السلطة لدفع الرواتب. وردا على ذلك أعادت السلطة بعد بضعة ايام كل المال لاسرائيل دون ان تستخدمه.
لقد شكل الوضع الاقتصادي للسلطة بشكل عام ولسكان الضفة بشكل عام على الدوام عاملا هاما في تقدير الوضع الاستخباري والعملياتي، كمدماك في فحص الدافعية والاحتمالات المختلفة للتهدئة او للتصعيد. وهكذا كان دارجا افتراض بان الوضع الاقتصادي المحسن لسكان الضفة الفلسطينيين، مثلما هو ايضا وضع عشرات الاف العمال العاملين في اسرائيل، يشكل عامل "لجم" عن تنفيذ اعمال "تخريبية معادية" والتدهور الى التصعيد وان استمرار تحسين الوضع الاقتصادي ونسيج حياة الفلسطينيين سيحفظ الاستقرار الامني. وعليه، فمفهوم التخوف الاسرائيلي من المس بهذا الوضع.
ان الازمة الاقتصادية الآخذة بالتفاقم في السلطة الفلسطينية تشكل تحديا هاما ومدعاة للقلق. في الخلفية قرار حكومة اسرائيل – الذي اتخذ قبل زمن بعيد ولكنه تقرر تنفيذه في اعقاب قتل اوري انسبخر – الاقتطاع من اموال المقاصة المبالغ التي تحولها السلطة لعائلات الجرحى، الشهداء والسجناء. لقد نفذ هذا القرار عدة مرات في الماضي ولكن في حينه تراجعت  اسرائيل بعد زمن قصير عن هذه الاجراءات، عقب التخوف من احتمال التدهور الكامن فيها.
ومع أن الحديث يدور عن اقتطاع مبلغ غير كبير، عشرات ملايين الدولارات في كل شهر، ولكن ردا على قرار حكومة اسرائيل قررت السلطة في خطوة "استفزازية" وقف تلقي كل أموال المقاصة من اسرائيل والتي تبلغ اكثر من 8 مليارات في السنة، من اصل نحو 18 مليار اجمالي ميزانية السلطة. وكنتيجة لذلك اضطرت السلطة لان تقلص نحو نصف رواتب موظفيها بمن فيهم عشرات الاف من عاملي اجهزة الامن.
وجاء التقليص في اطار اعلان رئيس وزراء السلطة الجديد محمد اشتيه عن حالة طوارئ اقتصادية لمئة يوم. وتضمنت الخطة اضافة الى ذلك وقف تمويل سكان الضفة ممن يتلقون العلاج الطبي في المستشفيات في اسرائيل وتوجيههم الى مصر والاردن، حيث العلاج اقل كلفة. كما أن الدعوة للعودة الى فلاحة الارض والى "الصمود" الذي تميز به المجتمع الاسرائيلي في اوقات الضائقة في الماضي. ينضم هذا الحدث الى عدة مسائل اقتصادية اخرى تؤثر على الوضع في الميدان، بينها تقليص المساعدات لوكالة الغوث والاموال الاميركية التي تحول الى السلطة بشكل عام. وفي السنوات الاخيرة سجل ايضا انخفاض بأكثر من 50 في المئة على المساعدات الغربية التي تحول الى السلطة وهي تبلغ عدة مليارات قليلة من الشواقل. اضافة الى ذلك، ورد في تقرير البنك الدولي انه كان في العام 2018 انخفاض في النمو في السلطة وهو يبلغ اقل من 1 في المئة. اما الوعود الكثير بالمساعدات من الدول المانحة والدول العربية المختلفة فلا تنفذ، والمال لا يحول الى السلطة. على هذه الخلفية يمكن أن نفهم دعوة نائب الامين العام للامم المتحدة لشؤون اللاجئين لايجاد حل دائم للازمة الاقتصادية المحتدمة في السلطة، والتي تهدد بانهيارها. 
 لهذا الوضع الاقتصادي الباعث على التحدي تتجمع عدة عوامل اخرى – وهي تبدو ظاهرا لا ترتبط فيما بينها – ولكنها معا تشير الى احتمال متعاظم لتغيير الوضع الاستراتيجي في المنطقة. وفي هذا الاطار من الصواب الاشارة الى فترة رمضان التي ستبدأ بعد بضعة ايام؛ الترقب لنشر صفقة القرن للرئيس الاميركي دونالد ترامب بعد نحو شهر، والتي لا يهم ما هي تفاصيلها – من ناحية الفلسطينيين فانها صفقة سيئة ومنحازة لصالح اسرائيل؛ وكذا اعلان رئيس الوزراء قبل الانتخابات بشأن ضم مناطق في الضفة والمنشورات عن المطالب الائتلافية في هذا الموضوع. واخيرا، في الاسابيع القريبة القادمة نحيي يوم الذكرى، "يوم الاستقلال ويوم القدس" – وهي ايام حساسة جدا من ناحية امنية حتى دون الظروف الحالية.
الى جانب حقيقة ان تحول الاموال الى السجناء وعائلات "المخربين" ليست مناسبة، من الصواب ان نسأل أنفسنا هي احتمال التدهور القائم في قرار الحكومة ومعانيه تستحق الاصرار على تنفيذه في الوقت الحالي. اضافة الى ذلك، فما هو الفرق بين القرار البراغماتي والصحيح بحد ذاته من حكومة اسرائيل السماح بتحويل الاموال من قطر الى منظمة "الارهاب" حماس في غزة منعا للتصعيد بيننا وبين حماس في القطاع وبين اتخاذ قرار مشابه معناه وقف اقتطاع اموال المقاصة التي تدفع للعائلات من جانب السلطة الفلسطينية؟
وبالتوازي، ودون صلة بقرار القيادة السياسية في هذا الشأن، على جهاز الامن العام والجيش الاسرائيلي أن يستعدا لتغيير اساسي للوضع في الميدان. وسواء من ناحية الاستخبارات أم من ناحية التعاون الامني والمدني مع اجهزة السلطة أم في الجانب العملياتي، ولا سيما في استعداد القوات المختلفة لاحداث "ارهابية" متفجرة مثلما هو لتعاظم اعمال "الاخلال بالنظام والارهاب" الشعبي على طول المحاور وفي المعابر.
ان فترة الانتقال السياسي التي نوجد فيها هي فرصة لتجميد اقتطاع الاموال حاليا وضخ "اكسجين" للاقتصاد الفلسطيني الى حين بلورة سياسة شاملة وحديثه تجاه الضفة. تعالوا نأمل أن نجتاز الاسابيع القريبة القادمة بهدوء وأمان.