إعلانات ترامب ولاءات الرئيس أبو مازن...

فادي قدري أبو بكر*

مثّل عامل الزمن منذ قيام "إسرائيل" هاجساً شديداً لها، في شأن دوام استقرارها وأمنها ومستقبلها. وهذا يشمل الزمن الديمغرافي والسياسي والاقتصادي والعسكري لها، كما لدول المنطقة. وشدة ضغط هذا العامل تنبع من ضآلة حجم "إسرائيل"، لجهة الجغرافيا والديمغرافيا والموارد والعمق التاريخي، بالقياس إلى المحيط العربي.هذا ما جعلها تحرص على دوام تفوقها الاستراتيجي على محيطها، وفي مجالها الإقليمي أيضاً، لا سيما في مجال الأمن، وضمنه دوام احتكارها السلاح النووي.
راهنت "إسرائيل" بعد اتفاق أوسلو عام 1993 على عامل الزمن، وهذا ما أثبتته العقود اللاحقة، التي تنصّلت خلالها من كل الاتفاقيات الموقعة بينها وبين منظمة التحرير الفلسطينية، مستغلةً بقاء الوطن العربي على الحال التي هو فيها. وهكذا بقت إسرائيل تحاول التملص من عملية التسوية، بتحايلها على الجغرافيا والديمغرافيا، وعلى العالم، وعلى الزمن، لكن إلى متى؟.
بصعود الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى سدة الحكم بداية عام 2017، تغيّرت المعادلة التي راهنت عليها "إسرائيل" طويلاً. حيث إن إعلانات ترامب المتتالية، من إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، والجولان أرض خاضعة للسيادة الإسرائيلية، وإعلانه الحرب على اللاجئين والأسرى والشهداء والجرحى، إضافة إلى إعلانه المرتقب بسيادة الاحتلال الإسرائيلي على الضفة؛ كلها تضرب عامل الزمن في مقتل، لتبدو مقولة "من الحب ما قتل" أفضل توصيف لهذا الحب الترامبي الأعمى للكيان الإسرائيلي.
رغم الأوضاع الصعبة التي فرضتها الإدارة الأميركية على القيادة الفلسطينية، إلا أنها وفّرت عليها الكثير من المد والجزر في محادثات ومفاوضات طويلة الأمد لا تُسمن ولا تغني من جوع حيث استراح الرئيس محمود عباس بعد غياب عامل الزمن، واستند على المثل العامي الذي يقول "إن ما كبرت ما بتصغر"، فخرج على العالم أجمع بلاءاته الحاسمة ( لا عاصمة لفلسطين إلا القدس.. لا مساس بالشهداء والأسرى والجرحى.. لا دولة دون غزة ولا دولة في غزة.. لا لصفقة العار)، ليضع النقاط على الحروف، ويغلق الأبواب والنوافذ أمام كل الجهات المشبوهة التي تحاول أن تمرر أجنداتها الضيقة، ويضع كافة دول العالم أمام مسؤولياتها التاريخية تجاه الشعب الفلسطيني الذي ما زال يرزح تحت أطول وآخر احتلال في العالم.
رغم عدم إلزامية قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرافض لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن مدينة القدس المحتلة، وغيرها من القرارات الترامبية الانفصامية المنعزلة عن الروح الدولية، إلا أن إمكانية استثمارها كبيرة، سواء عبر العمل الدولي، والذي كانت إحدى نتائجه الأخيرة اعلان الاتحاد الأوروبي عدم الاعتراف بسيادة إسرائيل على أي أرض احتلتها،أو العمل الشعبي المؤازر والمعزز للخطاب الرسمي المجابه، والذي من شأنه أن يدفع الاحتلال والمنظومة الدولية، للإدراك بأن كافة الخيارات مفتوحة أمام الفلسطينيين في وجه استمرار العنجهية الأميركية والتغول الاحتلالي السرطاني.
إن استمرار الإعلانات الأميركية والتغول العنصري الإسرائيلي في مقابل اللاءات الفلسطينية، يعني حتماً أن "صفقة القرن" لن تمر كما يأمل مصمموها، لأن التاريخ يقول إنه لا يوجد طريق مختصر للسلام والأمن، وبالنهاية لا يمكن لأي نظام مهما بلغت قوته الاستمرار والوقوف بوجه التاريخ.