الأيدي الناعمة تخشن في مواجهة سلاح الجنود

بيت لحم - وفا-  يامن نوباني- "في لحظة حاسمة عليك أن تصنع شيئاً، لا أن تقف على الحياد، متفرجاً"، العبارة التي تليق بصورة معلمة اللغة الانجليزية، رحمة العروج (43 عاماً) من بلدة تقوع شرق بيت لحم، وهي تمنع جنديا احتلاليا من مد يده عليها، وتعيدها إلى مكانها، إلى السلاح الذي يحمله، ومع ذلك يشعر بخوف كبير من المواجهة.
بدأ المشهد ظهر الخميس الفائت، باختباء جنديين داخل عبّارة مياه على مقربة من مدرسة تقوع الثانوية للبنين، بينما وقف ثلاثة جنود على بعد عشرات الامتار يراقبون وقوع الكمين للانقضاض على الفريسة، التي ستكون طفلاً فلسطينياً عائداً من مدرسته.
في صورة تعود بالأذهان إلى عشرات المشاهد لنسوة يخلصن فتية وشبان من أيدي جنود الاحتلال، خاصة في فترة انتفاضة الحجارة (1987-1994)، العروج روت لـ"وفا" كمين الجنود، وانقاذ الفتى المصاب بمساعدة نسوة الحارة وأهالي البلدة: اعتقل جنديان أحد صبية البلدة، ووثقوا يديه بمرابط بلاستيكية وأغمضوا عينيه بقطعة قماش، لكنه تمكن بذكاء من الإفلات منهم والركض مسافة 40 مترا بين أشجار الزيتون رغم قيده وعتمته وسط النهار.
وأضافت: بعد هروبه، لحقه الجنود وبدأوا بإطلاق الرصاص الحي فأصابوه في أعلى الفخذ، وأطلقوا قنابل الصوت والغاز بكثافة لتغطية الحدث ومنع أحد من الاقتراب لحين مجيء تعزيزات تساندهم.
حين رأيت الفتى مصابا ويحاول الهروب، قبل أن يتمكن منه الجنود مجدداً، ويجرّونه على الأرض، فوق الأشواك والحجارة والأتربة، هجمت مع عدد من النسوة تجاه الجنود ووصلنا الصبي، فتهجم علينا الجنود محاولين منعنا من الاقتراب، رأيت الفتى وهو يحاول أن يفك قيده، كان يشعر بضيق كبير ويختنق من إحكام المرابط على يديه.
وتابعت، قام أحد الجنود بسحب مسدس من جيبه وأطلق رصاصا تحذيريا في الهواء وقنابل غاز وصوت، مع تواجد عدد من رجال البلدة الذين ساندونا لحمل الطفل ومحاولة إبعاده عن المكان ونقله للمستشفى.
وأضافت: بعد مناوشات واحتكاكات مع الجنود، تمكنا من انتزاع الفتى وسحبه لجهة آمنة، رغم تهديدات الجنود وشتائمهم وصراخهم، حيث كانوا مصابين بالهلع والرعب، بعدما شاهدوا عشرات الأهالي يقتربون من مكان الحدث، هددونا بإطلاق النار، وقال أحد الجنود: "روحوا من هون، ما بدنا نسوان، انتو في خطر!"، فأجبته: "انتو اللي في خطر مش إحنا، انتو اللي روحوا من هون".
وقالت: ساعدنا التجمع الحاشد للأهالي العائدين من جنازة معلمتنا فاطمة سليمان، التي قضت نتيجة حادث تسببت به شاحنة مستوطن، وذلك بعد اغلاق معظم مداخل تقوع، والذي بدوره ألقى بظلاله على سير الحياة في البلدة، المسافة التي كنت أقطعها للوصول للمدرسة وهي 1 كيلو متر أصبح بعد الحصار 6 كيلو متر.
بدوره تحدث المعلم مراد أبو مفرح لـ"وفا" حول ما تتعرض له تقوع وبالأخص مدارسها وطلبتها: قبل شهرين لجأ الاحتلال لسياسة العقاب الجماعي بحق البلدة، وبدأ بسحب تصاريح عمال في أراضي 48، إضافة لتصعيد المستوطنين هجماتهم على البلدة، فحاولوا قبل مدة اقتحام مدرستي الجرمق والخنساء على شارع البلدة الرئيسي، قبل أن يتمكن المعلمون والاهالي من طردهم.
وأضاف، قبل أسبوعين أغلق الاحتلال مداخل تقوع بالسواتر الترابية وببوابة حديدية، بحجة إلقاء قطعة معدنية "شاكوش" على سيارة مستوطن واصابته، وعلى اثر ذلك بات على الأهالي سلوك طرق بديلة وطويلة، تصل لمسافة 6 و7 كيلو متر، من أجل الدخول للبلدة أو الخروج منها. حتى أن تلك المداخل خطيرة ومزدحمة، ومع الاغلاقات ازدادت خطرا وازدحاما.
وتابع، بعد تشييع جنازة المعلمة، تم اغلاق الشارع الرئيسي من قبل المواطنين احتجاجا على استمرار الحصار، ومنعوا المستوطنين من المرور من خلاله، وبعد نصف ساعة من الإغلاق وصلنا خبر ان الجيش يعتقل بعض طلاب المدرسة اثناء عودتهم لمنازلهم بعد مشاركتهم في الجنازة، وإصابة أحدهم من مسافة صفر في أعلى الفخذ، ما تسبب في قطع شريان رئيسي ونزف كميات كبيرة من الدماء، أخذناه من بين أيديهم بالقوة رغم الرصاص والغاز، ونقلناه لمستوصف البلدة قبل أن تصل سيارة الاسعاف التي تأخرت بفعل الاغلاق.
وبين: طالبنا بإقامة جسور معلقة كممرات آمنة للمشاة، لكن الاحتلال يرفض ويمنع ذلك، ومنذ بداية العام اعتقل ما يقارب من 50 فتى، 15 منهم ما زالوا في المعتقلات. إضافة إلى 70 معتقلا سابقا، كما أصيب 10 طلبة بالرصاص الحي والعشرات بالرصاص المطاطي والغاز.