نوتردام للبشرية جمعاء

باسم برهوم

عندما كنت مراهقا قرأت رواية أحدب نوتردام للكاتب الفرنسي الشهير، ابو الرواية الفرنسية، الراحل فيكتور هوغو، اعترف أنني في حينها لم أفهم مغزى الرواية بالرغم من أنني استمتعت بها وتعاطفت مع الأحدب. لم أفهم المغزى، خاصة مسألة احتكار المعرفة بالمقابل وأهمية تعميمها إلا في سن متأخرة عندما امتلكت انا شخصيا المعرفة وأصبحت بحدود معقولة افهم ما اقرأ.
ليلة امس الأول، اصبت بصدمة، وأنا ارى مشاهد ألسنة النيران تلتهم كاتدرائية نوتردام في وسط باريس التاريخية، وبالتأكيد كانت كل البشرية تعيش لحظات صدمة وهي ترى احتراق هذا المعلم التاريخي والحضاري والديني والمعماري العالمي، نوتردام برمزيتها ليست للفرنسيين وحدهم إنها للبشرية جمعاء، إنها ملك الإنسانية، فالحضارة البشرية كل لا يتجزأ، وأحد رموز وحدة هذه الحضارة نوتردام، لذلك جاءت كل ردود الفعل الدولية بهذا الحجم والنوع.
وهنا، وانطلاقا من مبدأ سابق الذكر لا بد من الاعراب عن استغرابنا ممن يحاولون اختزال التاريخ بهم أو اختزال الحضارة الإنسانية بعقيدة بعينها، لربما في احتراق نوتردام، على هوله، ان يكون درس لنا جميعا، بأن ننحي جانبا الأنانية والعنصرية والتطرف الأعمى، أن ننحي نزعة احتكار الحقيقة.
ولعل ما جرى يمثل درسا لمن يحاولون احتكار القدس لروايتهم وحدهم، ومحاولات تغيير طابعها التاريخي والحضاري. إن أي فكرة صهيونية للمس بالرموز الدينية التاريخية في القدس هي فكرة في مواجهة الحضارة الانسانية ووحدتها وتكاملها، المسجد الاقصى وكنيسة القيامة، وإلى جانب رمزيتهما الدينية، هما معلمان مهمان من التراث الحضاري الانساني يمنع المس بهما، وان أي مس بهما هو اعتداء على هذا التراث.
في هذه اللحظة دعونا نعرب عن تضامننا مع الشعب الفرنسي، هذا الشعب العلماني الذي يرى في نوتردام تاريخه وحضارته، وهذا أكبر وأوسع من اختزال هذا المعلم بفكرة بعينها، أو بلحظة تاريخية بعينها.