وجه إسرائيل بدون مكياج

باسم برهوم

لم تعد اسرائيل معنية كثيرا بتجميل وجهها وحجب حقيقتها كدولة احتلال عنصرية عن العالم، النتيجة الاهم للانتخابات الاسرائيلية الاخيرة هو اننا بتنا امام دولة وقحة متغطرسة، تتباهى بكونها تحتل وتتوسع وتضم، وتتباهى انها دولة لليهود وحدهم.
في السابق كان هناك احزاب اليسار والوسط تحكم اسرائيل، وكانت توسعية وعنصرية هي الاخرى، لكنها كانت معنية بالقليل من مواد التجميل الديموقراطي والاعتدال وقبول الاخر، حتى هذا الوجه الاكثر ذكاء لم تعد اسرائيل بحاجة اليه.
نتيجة هذه الانتخابات لم تكن باي شكل مفاجئة، فهي تتويج لتطورات موضوعية وذاتية، فإسرائيل، كما العالم بأسره، قد تغيرت من الداخل، فتغير النمط الاقتصادي شبه الاشتراكي الى اقتصاد حر ومخصخص انعكس على البنى الفوقية من أيديولوجيا واحزاب، فكانت النتيجة اضمحلال اليسار وفكره لمصلحة الليبرالية المتوحشة في الاقتصاد وما يمثلها في السياسة من احزاب، وبالطبع كلها يمينية، ويمينية متطرفة وحتى فاشية.
دعونا ننظر الى الاحزاب اليمينية التي ستشكل منها الحكومة الاسرائيلية القادمة، في مقدمة هذه الاحزاب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو، تحت قيادة هذا الاخير الذي قاد عمليا عملية التغيير الاقتصادي، بافراغ هذا الحزب من مضمونه اليميني التقليدي، وقام بابعاد كل رموز هذا التيار وفي مقدمتهم دان ميردور لمصلحة التيار الطفيلي الذي يعمم الفساد ويركز الاقتصاد بأيدي مجموعة صغيرة من الرأسماليين الذين يرتبط معهم بمصالح مباشرةاحزاب اليمين الجديدة هي احزاب فاشية موغلة في العنصرية ورفض وجود الشعب الفلسطيني، وبدعم الاستيطان وبرفض دولة فلسطينية، وهو من نفس طينة نتنياهو، خصخصة الاقتصاد لأبعد الحدود.
الحزب اليميني الوحيد، من الذين قد يشاركون في الحكومة القادمة وله بعد اجتماعي، هو حزب كحالون المنشق عن الليكود، اما الاحزاب الدينية، يغودات هتوراه الاشكنازي وشاس السفرديمي، فهي احزاب تدعو الى تطبيق قانون الدين اليهودي، وترفض اي شكل من اشكال الدولة العلمانية، وبالتالي هي أحزاب لا تعترف بالآخر وتعلم من اجل يهودية الدولة قولا وفعلا.
امر آخر الذي قاد الى هذه الوقاحة العنصرية، هو وجود ادارة ترامب وهي ادارة من نفس الطينة الاقتصادية والفكرية وتمثل الليبرالية المتوحشة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى على الصعيد الاقتصادي وهي عنصرية متغطرسة لا تقيم اي وزن للتقاليد السياسية الدولية، التي كانت سائدة منذ الحرب العالمية الثانية، هذا التيار اليميني له امتداد متنام في اوروبا والعالم، وبالتالي نحن امام ظاهرة دوليا لا تقتصر على اسرائيل وحدها.
ولعل الواقع العربي المنهار والممزق هو من اكثر العوامل التي جعلت اسرائيل بهذه الوقاحة، الى جانب معضلة الانقسام التي تواصلها حركة حماس، فتصريحات نتنياهو عشية الانتخابات، اشارت جميعها ان اسرائيل مستفيدة استراتيجيا من بقاء الانقسام، وانها تسمح بتمويل حماس لإطالة عمر هذا الانقسام وفصل قطاع غزة عن الضفة بهدف منع قيام دولة فلسطينية.
اسرائيل، التي يكافئها ترامب على كونها دولة توسعية وعنصرية، إسرائيل، التي يطبع معها بعض العرب قبل ان تنهي احتلالها للأرض الفلسطينية والعربية ويصمت العالم عن جرائمها، لماذا لا تتباهى بغطرستها وتمارس العنصرية بأبشع صورها.
نحن امام واقع اسرائيلي وعربي ودولي جديد، علينا ان نلاحظ بدقة ونضع سياستنا على اساسها، العالم بشكله القديم الذي كنا نعرفه لعقود خلت لم يعد موجودا، والاخطر ان التطورات والمتغيرات هي اسرع مما نتخيل، فعلينا ان نعرف ونلاحظ كيف يمكن ان يكون عليه العالم غدا وليس فقط لما عليه العالم اليوم. لكي لا نصبح خارج صناعة التاريخ، والرهانات التقليدية لم تعد ونحن بحاجة اليوم الى ورشة عمل كبرى تعيد تقييم الواقع الجديد وترسم ملامح استراتيجية تلائم هذه المتغيرات.