السودان خطوة للأمام

نبض الحياة .. عمر حلمي الغول

صباح الخميس الموافق الحادي عشر من نيسان الحالي (2019) نجح الشعب العربي السوداني في التقدم خطوة للأمام في حراكه الشعبي، وتمكن من إرغام مؤسسة النظام عن التخلي عن رأسها، الرئيس عمر حسن البشير بعد ثلاثين عاما من الحكم، بعد حراك شعبي استمر طوال اربعة اشهر منذ التاسع عشر من كانون أول/ ديسمبر 2018 الماضي احتجاجا على غلاء الأسعار وخاصة سعر رغيف الخبز، الذي تضاعف خمس مرات، وانخفاض مستوى المعيشة، وزيادة أسعار الوقود، وعدم استقرار اسعار صرف العملة، بالإضافة لإعلان البشير لترشحه للانتخابات الرئاسية مجددا. 
يأتي رحيل الرئيس السوداني بعد تسعة ايام من رحيل الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، وهو ما يشي أن دوامة التحولات في العالم العربي مازالت حبلى بالتغيرات، وكأن ما جرى في البلدين الشقيقين مرتبط بالحبل السّري لثورات ما يسمى ب"الربيع العربي"، الذي بدأ في تشرين أول/ إكتوبر 2010 في تونس، مع الفارق الكبير بين ما جرى آنذاك، وما يجري الآن، ففي الأولى تنصب جماعة الإخوان المسلمين على رأس المشهد، ولكن الحراك الحالي يخلو من هذا التلوث، وان كانت كل الثورات العربية سارت بلا رأس واضحة المعالم، رغم تبوء الاخوان المسلمين صدارة المشهد، ورفع الشعارات السياسية والمطلبية، التي تعبر عن مصالح الجماهير الشعبية شكليا. 
 المهم بعد 30 عاما أُجبر الرئيس البشير على التخلي عن الحكم مرغما، ووضع تحت الإقامة الجبرية، أو حسب ما جاء على لسان الجنرال عوض بن عوف، رئيس المجلس العسكري، الذي تنحى طواعية مساء الجمعة الموافق 12 إبريل، ورشح الفريق أول، عبد الفتاح البرهان عبد الرحمن لتولي رئاسة المجلس بدلا منه، تم التحفظ عليه (البشير) في مكان آمن، وهناك معلومات شبه مؤكدة تقول، انه توجه في الرابعة فجرا إلى السعودية، بعد ان رفضت كل من تركيا وقطر والإمارات استقباله. وكان عمر حسن البشير استولى على الحكم في 30 حزيران 1989 بعد الانقلاب على الحكومة المنتخبة ديمقراطيا بقيادة الصادق المهدي، وبدعم وإيعاز من جماعة الإخوان المسلمين بقيادة حسن الترابي، والذي انقلب عليه ايضا، واعتقله في 1999. 
التحول الدراماتيكي في السودان لا يندرج في قائمة التحول السلمي وفق التطورات، التي عاشتها البلاد على مدار الشهور الأربعة الماضية، وخاصة فجر وصبيحة يوم الخميس الماضي (11/4/2019)، انما يأتي في نطاق ما يمكن وصفه بالانقلاب العسكري الشكلي، من قبل المؤسسة العسكرية على رمز النظام الأول، رغم ان الفريق أول، عمر زين العابدين، رئيس اللجنة السياسية في المجلس العسكري، أعلن الجمعة الماضي (12نيسان/ إبريل الحالي)، أن الجيش لن يملي قراراته على الثوار، وإنما خلع البشير لتلبية تطلعات الشعب، ولترتيب التداول السلمي للسلطة. وعمق هذا القول "الإيجابي" الوهمي باستحضار ميراث الراحل الجنرال عبد الرحمن سوار الذهب، حينما اشار، إلى ان أعضاء المجلس العسكري، هم ابناء سوار الذهب، وهذا قول فيه شك. لماذا؟ لانه شتان ما بين تجربة الرئيس الأسبق، سوار الذهب وجنرلات اليوم بقيادة بن عوف، الذي تخلى طوعا وتكتيكيا عن رئاسة المجلس، وللترشح لاحقا كرئيس محتمل للسودان، لان الرئيس الراحل كُلف لقيادة البلاد لمدة عام لحين انتخاب قيادة جديدة للبلاد. لكن جنرلات اليوم، أولا هم من نصبوا أنفسهم، ولم يكلفهم الشعب، أو قواه السياسية، ليس هذا فحسب، بل ان الشعب وقوى الحراك ترفض حكم العسكر، واصدرت بيانا بذلك؛ ثانيا منحوا أنفسهم الحكم مدة عامين، ثم تسليم البلاد لحكم مدني! ولم يغفر للعسكر قول الجنرال زين العابدين، بأن المجلس "مستعد لتقصير الفترة الانتقالية وفق الظروف الأمنية." ومن يعرف ما هي الظروف الأمنية، التي يقصدها المجلس العسكري؟ وما هي المعايير الأمنية والسياسية، التي يراها العسكر مناسبة؟ وعن اي حكم مدني يتحدثون؟ وبالتالي فإن الحكم العسكري، وإن ادعى، انه سيبقى على تماس مع الشارع ونخبه السياسية، وانه سيحارب الفساد، ويعمل على رفع الحصار الأميركي عن البلاد، غير ان كل تلك الشعارات لا تسمن ولا تغني من جوع، لانها ستذهب ادراج الرياح بعد هدوء الحراك الشعبي. 
وهذا بالضبط ما اكده بيان "قوى إعلان الحرية والتغيير"، الذي يمثل قوى التغيير السودانية، وجاء فيه، انهم يرفضون "إنقلابيي النظام". ولعل إعلان الجنرال محمد حمدان حميدتي، قائد قوات الدعم السريع بانحيازه للشعب، ورفضه عضوية المجلس العسكري، ومطالبته المجلس العسكري بتسليم البلاد لحكومة مدنية فورا، ما يشي بأن حركة وزير الدفاع، عوض بن عوف، ومن رشحه لتولي المنصب بعده، الجنرال البرهان ليست بريئة، وتحمل في طياتها إلتفافا واضحا وصريحا على الحراك الشعبي. 
ومع ذلك، فإن المشهد السوداني لامس بعض التغير النسبي يوم السبت (امس)، من حيث تغير لهجة خطاب المجلس العسكري، الذي عكسه الفريق البرهان بنبرة تصالحية، غير فوقية ولا زجرية، واكد استعداده لملاحقة كل من اساء للجماهير، واصدر قرارا بالإفراج الفوري عن كل السجناء؛ كما تم إقالة صلاح قوش، رجل المخابرات القوي، الذي استخدم القوة ضد الجماهير، وتم إلغاء حظر التجول في كل السودان؛ وفي الوقت ذاته، اعلن الجنرال حميدتي عن قبوله تلوين المجلس العسكري بعد عزل المتورطين في جرائم ضد الشعب، وعن تشكيل حكومة مدنية؛ كما واعلنت قوى الحرية والتغيير استعدادها لفض الاعتصامات أمام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة في حال توفرت الشروط  التالية من المجلس العسكري: اولا ضمان انتقال السلطة الفوري لحكومة مدنية انتقالية؛ ثانيا إلغاء أي قرارات تعسفية من قيادات لا يمثلها، ولا تمثل الشعب؛ ثالثا التحفظ على كافة رموز السلطة الماضية من المتورطين في جرائم ضد الشعب. وهذا ما وعد به البرهان؛ رابعا تشكيل جمعية وطنية من كل اطياف اللون السياسي لقيادة عملية التشريع، والاتفاق على دستور جديد للبلاد ...
التحولات الجارية في السودان الشقيق لم تنته بعد، ومازالت محل ترقب وانتظار ومتابعة، لان الشعب السوداني وقواه الحية مازال مرابطا في الشارع، حتى بعد إلغاء منع التجول على البلاد من قبل المجلس العسكري. والأيام القادمة حبلى بالتطورات والسيناريوهات.
oalghoul@gmail.com