اهو ده الي صار: قيمة فنية عمرهامائة عام

الحياة الثقافية – ريهام المقادمة- 
مقدمة: هل كان يدرك فنان الشعب سيد درويش عندما غنى ( اهو ده الي صار وادي الي كان مالكش حق تلوم عليا,تلوم عليا ازاي يا سيدنا, وخير بلادنا مش بايدنا قولي عن أشياء تفيدنا وبعدها ابقى لوم عليا) عقب ثورة 1919 أنها ستكون عنوان حكاية غزلها المؤلف (عبد الرحيم كمال) وأخرجها المبدع ( حاتم علي ) بعد مائة عام.
العمل: يدور العمل حول العديد من الشخصيات المرتبطة بالماضي والحاضر في آن واحد ,فسلمى التي تمثل دورها الفنانة روبي تذهب في رحلة عمل الى الاسكندرية لتكتب عن قصورها وتحديدا قصر نوار باشافتصادف يوسف الذي يمثل دوره الفنان أحمد داوود فتظنه حارس القصر, فيتعرفا ويبدأ يوسف برواية حكايات القصر لسلمى فيخبرها عن خديجة هانم التي كانت تسكن القصر والتي قامت بدورها الفنانة سوسن بدر وابنها يوسف والفتاة التي ربتها خديجة هانم وعلمتها اصول الاتيكيت, فأصبحت تجيد العزف على البيانو والقراءة والكتابة أيضا، الأمر الذي كان يقتصر على الباشوات وأبنائهم ذاك الوقت وليس الخدم , نحن أمام عمل لا ينفك يخرج لنا أبطال,فعبد الرحيم كمال استطاع أن يصنع أبطال للحكاية غير سكان القصر, فعلي بحر الذي قام بدوره بمنتهى الابداع محمد فراج وأصداف (صدف) التي قامت بدورها الجميلة أروى جودة وعلي الطيب الذي قام بدور بساطي الفلاتي كما كان يسميه الشيخ زهار الذي قام بدوره الفنان هشام اسماعيل, هذه التركيبة التي استطاعت أن تبقيك مشدوها طوال ثلاثون حلقة كان وراءها الكثير من الأبطال الذين استطاعوا أن يسحبوك من أمام التلفاز حتى أحياء الاسكندرية قبل مائة عام.
قبل مائة عام: عندما كانت مصر تحت سلطة الاحتلال الانجليزي, كانت الموسيقى هي الشعلة التي تنقذ الأمكنة من سطوة الاحتلال,فأناشيدالشاعر محمود يونس القاضي كانت في كل عقل مصرية, مما جعله محض اهتمام وزير الداخلية الذي استدعاه ذاك الوقت لينهره قائلا " بدل ما تقول الكلام الفارغ ده ,دور ازاي تصنع جبة في بلدك الأول" والجبة هي الرداء, فتركت هذه الجملة في نفس القاضي كثيرا ومنها ألف الكثير من القصائد والأغاني ك نشيد بلادي بلادي الذي يعيش حتى الان في قلب كل مصري, فأخذت الثورة الأدبية لدى الشعراء والأدباء تتأثر بتلك الجملة, مما أثار حفيظة المبدع"بديع خيري" فكتب لفنان الشعب سيد درويش أغنية اهو ده الي صار في إشارة منه الى وزير الداخلية وجملته آنذاك.
حالة حب : من يعرف عبد الرحيم كمال يوقن أنه على موعد مع خليط من المشاعر التي توقظ الروح فمن كتب دهشة والخواجة عبد القادر والرحايا وغيرهما الكثير من الأعمال العظيمة، ماذا سيخبئ لنا في اهو ده الي صار، حقيقة سيخبئ الكثير في ثلاثين حلقة،فمنذ اللحظة الأولى في هذا العمل حتى اللحظة الأخيرة هو الحب الشعور الأكثر حضورا وارتباطا بين كل الشخصيات، فحب علي بحر لنادرة واستمراره سنوات رغم أنه من طرف واحد وحب نادرة ويوسف الذي انتهى بالزواج بعد فوات الآوان وذبول الجسد،حب أصداف لعلي بحر ويأسها منه،حب البساطي لأصداف رغم امتلاءه بالماديات،حب الونس ،حب الصداقة،حب الراحة والأمان.
أن تخلق عملا: تبدأ مشاهدتك لأي عمل بمتابعة تتر العمل،وتتر البداية لمسلسل اهو ده الي صار واحد من التترات المميزة التي تعيش طويلا،فهو يخبرك الحكاية قبل أن تشاهد وهذا ما فعله أمين بوحافة عندما صنع موسيقى العمل فبين نقلات الماضي والحاضر، بين البسيط والمعقد، يصحبك في رحلة ممتعة عبر زمان ومكان وحكاية مختلفة تماما، لا أخفيكم سرا ذاك التتر يحتاج مقال نقدي بحد ذاته،فهو لم يغفل أي بعد انساني أو فلسفي،لا يوجد به أي مشهد عبثي وضع ليكمل الصورة فقط،بل على العكس كأنه هو الحكاية الحقيقية التي جمعت به كل التناقضات،استطاع الموسيقي أن يستغل كل آلة بشكل بديع فما بين الكمان والبيانو تداخل ساحر يزيدهما رونق العود ورغم ندرة ظهور الربابة موسيقيا في الأعمال الفنية إلا أن بوحافة استطاع أن يعطيها دور بديع ليظهر البعد الصعيدي مجسدا بصوت زكريا والد نادرة وحكاياته الشعبية،بعد مئة عام يقول المؤلف أن تلك لم تكن فقط كلمات بل هي تأريخ لفترة من أهم فترات مصر.
فنيا: أنت أمام واحد من أجمل الأعمال لسبب بسيط جدا هو بحر الإبداع في كل زاوية من هذا العمل،وهو ما يجعلك تغفل عن بعض الأخطاء التي تقع غالبا فيها الأعمال التي تعتمد على الفلاش باك وتنقل فترة زمنية قديمة، لا يسعك إلا أن تترك نفسك للاسكندرية بلهجتها الآسرة وحاراتها القديمة وأزقتها،اهو ده الي صار ينقل حالة مصرية أصيلة، ينقل بدايات الفن والمسرح وتطوراته،تأثير الثورة وارتباطها بالفن،لن أخفي أنني وقعت في غرام هذ السيناريو فهو زخم جدا بالحوارات الرائعة،فما بين تأليف وموسيقى وتمثيل أبدع حاتم علي المخرج السوري المتميز في وضع لمساته على لوحة بديعة لتظهر لنا بهذا الشكل.
الأداء: هي الراحة التي تسيطر على أداء غالبية الممثلين، فعجلة الإنتاج التي أصبح لها تواجدها الملحوظ خارج السياق الرمضاني والتصوير دون ضغوط إنتاجية جعل الأداء في حالة أفضل،أكثر ما يلفت في هذا العمل هو تميز أبطال الدور الثاني،استطاع الممثل علي الطيب الذي قام بدور وديع البساطي أن يشكل حالة من التميز المتفرد فلكنته ونظراته،طريقة إسقاط الكلمات ومشيته كلها تركت بصمة ستجعل منه يفكر كثيرا في اختيار الدور المقبل، أما الممثل هشام إسماعيل الذي قام بدور الشيخ زهار صاحب الإيفيهات الكوميدية ترك علامة مميزة وقدم دور جيد، أما عن نجم العمل محمد فراج الذي قام بدور علي بحر فنحن أمام حالة ابداع بحتة فهو ممثل يجيد اختيار أدواره بشكل جيد جدا ،هنا أنت تشاهد نجما حقيقيا،أما عن نجمات العمل روبي وأروى جودة فقد أبدعت كل منهما ،روبي بدورها الصعيدي وأروى بدور الراقصة والفنانة أصداف، وقدم أحمد داوود دور جيد،ولا ننسى المبدعة سوسن بدر التي استطاعت أن تؤدي دور الزوجة والأم والجدة بسلاسة متناهية،أيضا قدم العمل فرصة لإظهار موهبة شابة جديدة وهو الممثل تيام قمر الذي قام بدور فرح زوج أصداف في احدى الفترات سيكون له مستقبل مميز، نحن أمام أعمال جيدة جدا أصبحت تنافس وتثبت نفسها خارج السباق الرمضاني وهذا باعتقادي ما سيفتح الباب لإعادة انتاج الكثير من الأعمال الإبداعية.