مزيج مقرف من الجهل والتشويه

هآرتس – دمتري شومسكي

في مقال له بعنوان "سيلع اخطأت ونتنياهو كان محقا" ("هآرتس"، 20/3)، طلب د. راني كمحي، من مدرسة الاعلام في جامعة اريئيل، تعليم المذيعة والممثلة روتم سيلع، وربما ايضا قراء "هآرتس"، درس في تاريخ القومية والصهيونية. المشكلة هي أنه بقدر ما كان تعاليه على سيلع – التي اتهمها بـ "الجهل بتاريخ الصهيونية" – هكذا كان جهل كمحي نفسه، سواء في دراسة النظرية القومية أو تاريخ الصهيونية.
في رده على سؤال سيلع "متى سيقول شخص من الحكومة للجمهور الاسرائيلي بأن اسرائيل هي دولة كل مواطنيها؟" قرر كمحي أن الدولة اليهودية التي ارادت اقامتها معظم تيارات الصهيونية، لم تستهدف في أي يوم أن تضم في واقعها السيادي غير اليهود. مؤرخون، شرح كمحي، اعتادوا تقسيم نماذج القوميات الى قسمين. من جهة القومية التي تنبع من التراث العقلاني للثورة الفرنسية التي تقوم على العقد الاجتماعي والمدني الجامع، الذي يخلق بذلك نموذج دولة كل مواطنيها. ومن جهة اخرى القومية بالصيغة الرومانسية، التي مصدرها علاقات الدم والاصل والتاريخ المشترك. الصهيونية في معظمها شجعت حسب قوله النموذج الثاني، الرومانسي. لذلك فان حلمها السياسي – المدني عبر عن السعي الى تأسيس دولة، التي بصورة طبيعية تبعد عن جسمها السياسي غير اليهود، بالضبط مثلما يبعد مطعم نباتي عن حدوده بسبب طبيعته من يأكلون اللحوم.
بداية، التقسيم بين القومية المدنية والقومية العرقية، هو وجهة نظر نظرية قديمة أكل الدهر عليها وشرب. وجهة النظر هذه تمت صياغتها قبل 75 سنة على يد هانس قوهين، يهودي تشيكي – الماني، الذي قبل أن يستقر في الثلاثينيات في الولايات المتحدة، ويصبح الباحث البارز في القوميات، كان نشيطا في الحركة الصهيونية واعتبر مع رؤساء جمعية "حلف السلام" في القدس، الذي في نهاية العشرينيات أيد اقامة دولة ثنائية القومية مع اكثرية عربية في ارض اسرائيل. هذه النظرية كان فيها اكثر من مجرد نهج اخلاقي: القومية المدنية، بالاساس الامريكية والفرنسية، اعتبرت من قبل قوهين "قومية جديدة" بفضل تأسسها على أسس المواطنة الجامعة، في حين أن القوميات العرقية التي مصدرها حسب رأيه كان شرق اوروبا عرضت بسبب خصائصها العرقية الاساسية المقصية كصيغة متدنية وسلبية للقوميات.
ولكن الباحثون المركزيون في القوميات في العقود الاخيرة، ومن بينهم انطوني د. سميث وروجرز بروبايكر، وقفوا على عدة اخفاقات لهذا التصنيف. لقد أظهروا مثلا أنه في حالات من القومية – المدنية الواضحة، بما فيها الامريكية، كان يمكن على الاغلب أن نواجه نماذج من رفض الآخر بصيغة اثنية مركزية واضحة. حيث أنه يوجد نماذج للقوميات الاثنية التي يمكنها أن تمكن من وجود رؤية متعددة القوميات جامعة للمواطنة، في اطار دولة واحدة مشتركة لعدة مجموعات قومية.
لهذا النوع من القومية الاثنية، لكن الجامعة، كانت تنتمي في معظم سنوات وجودها كحركة قومية الصهيونية الحديثة. كمحي محق في قوله إن اعتبار الأمة للصهيونية كان يقوم على أسس الدم، الاصل والتاريخ المشترك. ولكن من هذا لا يمكن الاستنتاج أن اعتبار الدولة الصهيونية صيغة دمج عضوي بين الأمة اليهودية ومؤسسات الدولة، من خلال اقصاء الآخر غير اليهودي عن الجمهور السياسي العام. بالعكس، مفكرون وقادة صهاينة من الصف الاول – جميعهم "قوميون اثنيون" بدون استثناء – شاهدوا أمام انظارهم الدولة اليهودية المستقبلية كدولة مع اغلبية يهودية، تكون مبنية قانونيا كديمقراطية متعددة القوميات، ترسخ حقوق القومية الجماعية للاغلبية اليهودية والاقلية العربية على حد سواء. وبهذا ستكون في نفس الوقت دولة يهودية ودولة كل مواطنيها. النماذج والتنوع للرؤية المدنية متعددة القوميات هذه، التي هي في نظر كمحي تعتبر كتاب مغلق، توجد ضمن امور اخرى في مقدمة اصدار جديد بعنوان "على مفترق طرق" لأحاد هعام (1920). وفي "نحن وجيراننا" الذي كتبه دافيد بن غوريون (1931)، في كل النصوص السياسية البارزة لزئيف جابوتنسكي حتى وفاته في 1940 ما زال الحبل على الجرار.
مثلما هو مناسب للقومية التي نمت من "علاقات الدم، الاصل والتاريخ المشترك" فان الرؤية السياسية للصهيونية بشأن المواطنة متعددة الجماعات مستمدة من تراث سياسي قديم ميز الوجود التاريخي اليهودي خلال اجيال كثيرة، وتم دمجها في الوعي السياسي الصهيوني رغم ايديولوجية "نفي المنفى". الحديث يدور عن مبدأ التحرر الذاتي اليهودي ما قبل الحداثة، وفي مركزه نموذج السلطة الذاتية لليهود على اليهود فقط – فكرة تدحرجت الى داخل الصهيونية الحديثة على شكل البحث الدائم خلف نماذج سياسية – مدنية تمكن من وجود الدولة اليهودية دون أن ترتكز على السيطرة السيادية على الارض.
قبل نهاية مقاله ادعى كمحي أن صهيونيين اصلهم من شرق اوروبا أرادوا أن يتبنوا من دول القومية الاثنية في شرق اوروبا بين الحربين العالميتين، الذين قاموا باقصاء اليهود، نموذج المواطنة الاثني القومي الذي يبقي "الآخر" الاثني خارج الوجود السيادي المدني. يصعب وصف صورة اكثر تشويها للتفكير السياسي الصهيوني قبل قيام الدولة، حيث أن العكس تماما لاقوال كمحي هو الصحيح. نموذج دولة القومية الاثنية المركزية، بشكل خاص وبصورة واضحة نموذج الجمهورية البولندية، اعتبر في نظر صهاينة اساسيين من اصل شرق اوروبي (مثل بيرل كتسنلسون وجابوتنسكي وآخرين) كمثال سلبي وفاشل للكيان السياسي المدني، الذي لا يجب تطبيقه بأي شكل من الاشكال في الدولة اليهودية المستقبلية.
فقط في مرحلة متأخرة جدا، عند نشر خطة التقسيم للجنة بيل، وبصورة أشد زمن الكارثة والنكبة، اتضح في الخيال السياسي الصهيوني التحول الى وجهة النظر التي لم تعد ترى بعرب البلاد – فلسطين قومية شرعية أعدت للاستيعاب داخل الجسم المدني للدولة اليهودية. هذه الرؤية عبرت بشكل غير صحيح عن تغيير دراماتيكي في الوعي السياسي الصهيوني، الذي طوال معظم سنوات وجوده تخيل الدولة اليهودية المستقبلية ككيان لن يجد صعوبة في استيعاب الاقلية القومية العربية، وليس بالطبع ديمقراطية قانون القومية الحالي الذي استهدف شطب الهوية القومية الجماعية للاقلية الفلسطينية من الفضاء السياسي الاسرائيلي، وحصره في التجمع القومي اليهودي فقط. وهذا ظاهرة جديدة وغريبة على التفكير السياسي للصهيونية التاريخية.
إن محاولة نتنياهو واصدقاءه الغبية لعرض وجهة النظر المركزية العرقية هذه كتجسيد للطموحات السياسية للصهيونية القديمة تعبر عن مزيج مقرف من الجهل وتشويه التاريخ.