ريهام المقادمة – الحياة الجديدة

كفر ناحوم : فيلم لم يلمس سوى القشرة الخارجية من الواقع

 

مقدمة : ساعتان من الشعور بالتجمد وأنا أشاهد فيلم كفر ناحوم, لا أدري ماذا علي أن أقول, لا أدري ما هي الاضافات التي يجب أن تصلني, لا أنكر أنني شاهدت السواد الذي أعيه جيدا على هيئة فيلم سينمائي طويل هو الثالث للمخرجة نادين لبكي , فماذا أرادت نادين من وراء هذا الفيلم؟ صدقا أكثر سؤال راودني وأنا أشاهد هذا العمل هو من هي الفئة التي عليها أن تشاهد هذا الفيلم ولماذا ؟ فلو شاهده الفقراء المعدمين سيزداد بؤسهم ولو شاهده الأغنياء المقتدرين فلا أعتقد أنهم سيكملوا الفيلم ولو شاهده رجال الحكومة الكبار الذين يعرفون مسبقا هذا السواد الأعظم سيقولوا تبا للفقراء ومشاكلهم التي تلاحقنا حتى شاشة التلفاز ؟ فمرة أخرى ماذا أرادت نادين لبكي ؟

الفيلم : كفر ناحوم هو فيلم سينمائي طويل وجد طريقه لمهرجان كان السينمائي وترشح لجائزة الأوسكار عن أفضل فيلم أجنبي لعام 2019, يحكي الفيلم عن طفل لبناني اسمه زين يعيش في أسرة مكونة من أب و أم وستة أبناء معدمين الحال في منزل يفتقد الى كل أساسيات الحياة, يترك زين بيته بعد أن يزوج والديه أخته سحر الأقرب لقلبه والبالغة من العمر احدى عشر سنة من أسعد الذي يكبرها بكثير , ليتقاطع طريق زين مع عاملة اثيوبية اسمها رحيل تعيش في لبنان دون أي ورق مع طفلها الوحيد يوناس فيضطر زين للاهتمام بالطفل عندما يجد نفسه وحيدا معه بينما تتعرض رحيل في رحلتها للحصول على أوراق رسمية للطفل الى كافة أشكال الاستغلال حتى وصل زين الى مرحلة بيع الطفل , بعد ذلك يعود زين الى بيته ليأخذ ورقه الذي سيساعده على السفر خارج البلد بعد أن أقنعه أحد السماسرة أنه سيساعده مقابل الطفل الذي باعه , ليجد بيته غارق في اليأس بعد وفاة سحر خلال حملها ليحمل سكينا ويركض محاولا قتل أسعد الذي تسبب في وفاة سحر ليقبع بعدها في الأحداث التي تجعله يتصل ببرنامج هوا الحرية الذي يبث في تلفزيون السجن ويطلب أن يرفع قضية على أهله... لماذا أنجبوه ؟

لماذا كفر ناحوم ؟؟
عندما بحثت عن هذا الاسم وجدت معلومات قليلة, فتعرف كفر ناحوم بأنها مدينة واقعة على ساحل بحيرة طبرية في الشمال الفلسطيني ( بأنها مدينة يسوع المسيح في الأرض المقدسة) ولها أهمية كبيرة في التاريخ المسيحي لما فيها من أماكن تاريخية ودينية, لكن حسب نادين لبكي فهذا الاسم هو مرادف للمكان الذي تسوده الفوضى وليس كما معناه الأصلي, فاعتبرت نادين أن كل ما قدمه الفيلم من تناقضات وخليط بين القتل ,زواج القاصرات, المخدرات والاتجار بها,تهريب اللاجئين والاتجار بالبشر, العشوائيات, سجون العمال الأجانب,العاملات الأجنبيات ضحايا نظام الكفالة هو فوضى عارمة .

لا سيناريو يعيش في هذا الفيلم: 
لا مشكلة لدي في استخدام أي نوع من أنواع الألفاظ ان وظفت بشكلها الصحيح التي يخدم العمل, ولكن هل مرت دقيقة في هذا الفيلم دون لفظ قبيح ؟ هل الفقر بنظر نادين هو المرادف الأمثل لهذه الألفاظ ؟ باعتقادي كان السيناريو ضعيف جدا , فالفيلم اعتمد على المقاربة البصرية, فحواس المشاهد هي الأكثر حكما وتفاعلا مع الأشياء أكثر بكثير من المضمون الذي من المفترض أن يعيش وهذا دور السيناريو, حتى أنك تخرج من الفيلم حائرا , هل أحبه ؟ أم أن الانفعال يسيطر علي ؟ لا قيود في السينما ولكن ما يجب أن لا نغفل عنه هو بناء السيناريو الذي ينبثق منه بناء الشخصيات التي تجعلك تضع نفسك في مكانها تارة وتارة أخرى تقول ماذا كان علي أن افعل ؟ بناء الشخصيات كان شبه معدوم في الفيلم ف زين مثلا هو طفل يملك شخصية مثيرة للجدل , فهو ذكي , عنيد, سريع الغضب , يعرف كل شيء, يحل أي مشكلة , كيف ولماذا ؟ لا ندري , وحدها نادين ومن شارك في كتابة السيناريو يعرف الاجابة.

الأداء : 
بوسعي أن أذكر الكثير عندما أتحدث عن أداء شخصيات هذا العمل فهي الحدث الأبرز بالنسبة لي بداية من زين حتى أصل للطفل الذي لم يتكلم بعد , فكأن زين ممثل بالفطرة, لم يفعل شيء سوى أنه جسد الواقع الأليم الذي عايشه ك لاجىء سوري يعيش في لبنان بحذافيره, فاستطاع بشكله ونظراته وبنيته الضعيفة أن يعطي كل مشهد حقه, أداء الممثلين كان جيد , لا أدري لم ظهرت نادين في العمل وتحديدا لم أفهم سر ابتسامتها في المشهد الذي جمعها في زين عندما ذهبت اليه في السجن , لم يضف وجودها شيء, رغم أنه كان من الممكن كثيرا أن يخلق وجود دور المحامية مشاهد مهمة جدا بينها وبين زين أو بينها وبين المتهمين أو حتى القاضي.

مما لا شك فيه أن نادين بذلت مجهودا كبيرا في هذا العمل ولكن بماذا خرج الفيلم؟ صور لي مشاكل أعرفها مسبقا من خلال جلده للضحايا دون أن يشير بأي شكل من الأشكال للمسؤول عما حدث وكأن بؤس هذه الشخصيات خلق من العدم , لا دولة مسؤولة ولا مجتمع يدري وأتت الخاتمة بعد ساعتين من السواد القاتم في أبشع أشكالها بقول زين للقاضي " ما بقي بدي يجيبوا ولاد " ها هو الحل السحري للسواد الذي شاهدناه على مدار ساعتين, على الفقراء الضحايا الجاهلين ألا ينجبوا أطفال ونتركهم حتى يقل عددهم تدريجيا وينقرضوا او يهاجروا ربما,كالصورة الأخيرة التي التقطت لزين " اضحك هالصورة للتذكرة مش لورقة نعوة " لا خيار ثالت لديك.