وثيقة كامبل السرية..العبرة بالنتائج

باسم برهوم

لم تثر وثيقة من النقاش والاهتمام كما أثارته وثيقة كامبل بنرمان، التي بقيت من الناحية الرسمية طي الكتمان ولم يجر الكشف عنها كما يتم التعامل مع الوثائق البريطانية بشكل عام. وبغض النظر بين من يؤيد هذه الوثيقة الخطيرة ومن يعارضها، فإن مضمونها وما تسرب منها من معلومات يؤكد يوما بعد يوم أن كل ما يجري في منطقتنا العربية منذ أكثر من مئة عام وحتى الآن ينسجم تماما مع ما تسرب منها.

وللتأكد من ذلك لا بد من مقارنة المعلومات المسربة عن وثيقة كامبل مع الواقع، وما جرى بعدها وحتى الان ونسختها الاميركية من الفوضى الخلاقة التي عمت وطمت المنطقة العربية منذ ما اطلق عليه "الربيع العربي".

انا بطبعي لست ميالا لنظرية المؤامرة، ولكن من حقي ان ابحث وأستنتج. فالمعلومات المتعلقة بهذه الوثيقة، غير المسندة لأي مرجع علمي، تقول ان مؤتمرا سريا عقد في لندن عام 1905 بمبادرة من حزب المحافظين البريطاني، من رئيس وزراء بريطانيا المحافظ؟ والذي كان قد خسر الانتخابات للتو لمصلحة حزب الأحرار، كامبل بنرمان هو من دعا للمؤتمر، لذلك حمل التقرير النهائي الذي خلص اليه المؤتمرون في عام 1907 اسم وثيقة كامبل. وشارك في اعداد الوثيقة اكاديميون ومفكرون وسياسيون. اما الدول التي شاركت فهي، بريطانيا، فرنسا، هولندا، بلجيكا، اسبانيا وايطاليا.

نقطة الارتكاز الأساسية في الوثيقة هي البحر الابيض المتوسط الذي ترى فيه الدول الاستعمارية الشريان الحيوي لها ولتجارتها واطماعها السياسية والاقتصادية، والمتوسط من الناحية الجيو سياسية هو الجسر بين الشرق والغرب. وعندما فكر المؤتمرون بالكيفية التي يجب السيطرة من خلاها على المتوسط تبين ان شماله يخضع للدول الاستعمارية، اما جنوبه وغربه فهو يخضع لسيطرة العرب، الذين هم امة واحدة موحدة لها تاريخ واحد ولغة واحدة وغالبيتها تدين بالاسلام.

عملية السيطرة على هذا الشريان الحيوي والموقع الجيو سياسي استراتيجي لا بد من ان تبقى الامة العربية متخلفة ومختلفة فيما بينها ومتصارعة وممزقة. فمن وجهة نظر وثيقة كامبل فان الحضارة العربية الاسلامية هي الحضارة الوحيدة التي كانت في حالة صدام مع الحضارة الغربية. ومن اجل تمزيق هذه الامة وإنشاء وقائع متباينة ومتعارضة لا بد من انشاء حاجز بين جناحي هذه الامة في شمال إفريقيا وشرق المتوسط.

النتائج المباشرة لهذة الوثيقة كانت اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 ووعد بالفور عام 1917. الاولى تهدف لتمزيق العرب وجعلهم دولا متصارعة على مشاكل حدودية وغيرها. والثاني، وعد بلفور، يهدف الى اقامة الحاجز الفاصل عبر انشاء وطن قومي لليهود في فلسطين بالتعاون مع الحركة الصهيونية، مستغلين محنة اليهود في اوروبا.

وبالفعل تم تنفيذ ما ورد بهذه الوثيقة بحذافيره، ومع اكتشاف ثروات المنطقة وخاصة النفط اصبح ما ورد من تحليل واستنتاجات في وثيقة كامبل امرا ذا اهمية اكبر، واصبح هدف تفتيت الامة العربية إستراتيجية ثابتة للدول الاستعمارية الغربية. النسخة الحديثة لوثيفة كامبل، وبهدف المزيد من التمزيق والتفتيت واستعادة الهيمنة الاستعمارية الكاملة، النسخة الاحدث في فوضى واشنطن الخلاقة وما نفذ منها في ثورات الربيع العربي، الذي عمقت ظاهرة التمزق وعمقت العداوات العربية العربية والعربية الاقليمية.

اما الحاجز الفاصل، والمقصود اسرائيل الصهيونية فقد قامت بالدور المنوط بها على اكمل وجه وتم استغلال اليهود للقيام بهذة المهمة الاستعمارية بامتياز. فأسرائيل اليوم لم تنجح في خلق عوالم عربيية متناقضة وحسب بل تحولت الى مايسترو لها يوزع الادوار كما يخدم مصالحة ومصالح الاستعمار العالمي.

من هنا، وبغض النظر عن صحة الوثيقة او انها بالفعل موجودة ام لا

فان كل ما تسرب منها قد حصل ويحصل...وعلينا نحن العرب استخلاص العبر فلا يزال بامكاننا استخلاص العبر ام ان ما فعلته بنا هذه الخطط الاستعمارية،وما فعلناه نحن بانفسنا قد تحول الى تاريخ لم يعد بالإمكان تجاوزه؟