"الجزيرة البراقة".. بين المهنية والأجندات

عمار جمهور

عنونت قناة الجزيرة الفضائية باللغة العربية بتاريخ 14/12/2018 على موقعها الالكتروني "غليان بالضفة.. الاحتلال يشدد حصار رام الله والسلطة تقمع مسيرة لحماس"، استعرضت فيه الاحداث الميدانية في الضفة الغربية وكان العنوان براقًا ينم عن مقدرة عالية في صناعة الخبر وتغطيته، حيث لم يتجاوز عدد المشاركين بضعة افراد في مسيرة انطلاق "حماس" في مدينة الخليل، ولكنها تجاهلت وما زالت تغطية الحراك الشعبي في قطاع غزة "بدنا نعيش" منذ 14 حزيران حتى ساعات كتابة هذا المقال، وتمنيت لو وجدت على احد منابرها الاعلامية كموقعها الالكتروني او بثها الحي او المباشر مادة اعلامية بعنوان خلاق من هذا القبيل "غليان في غزة.. حماس تقمع التظاهرات السلمية... وتهدئة مع الكيان الصهيوني... وجهود كبيرة لادخال الاموال لغزة... لخدمة نتنياهو في معركته الانتخابية، وتعزيز اغتصاب حماس للحكم في غزة". 
ولا يخفى على احد امكانيات الجزيرة في تجييش الرأي العام واعادة هندسته بما يفي بالغرض المنشود والمتمثل بخدمة سياسات جماعة الاخوان المسلمين، فقد نجحت الجزيرة في تغيير تدفق اتجاه المعلومة من الجنوب "المتخلف" الى الشمال "المتطور"، ليشكل تحديا للغرب ونظرياته الاعلامية، وكذلك لكونها باتت صوتا لمن لا صوت له (...!!) وكانت صوتا مؤثرا في انتفاضة الاقصى وتغطيتها لحصار قوات الاحتلال الاسرائيلي للرئيس الراحل ياسر عرفات، ناهيك عن تغطية الاحداث الميدانية الاخرى في الضفة الغربية وخاصة في تغطيتها لحصار المحتجزين في كنيسة المهد. 
لكن الجزيرة كأي منصة اعلامية لها اجنداتها وسياساتها الاعلامية والتحريرية، التي تصب في نهاية المطاف لخدمة الاخوان المسلمين وتعبئة الجماهير العربية المتعطشة لحرية الرأي والتعبير، جالبة منذ بدء بثها منظومة من القيم الغربية، التي يتعطش لها شعبنا العربي كحقوق الانسان والديمقراطية وحرية الصحافة والحق في الحصول على المعلومة، لتسهل وتبرر ولوجها الى المواطن العربي مدغدغة مشاعره، لكنّ سياستها التحريرية عرّيت عام 2007 عندما انقلب التيار الاخواني في فلسطين والمتمثل بحماس على الشرعية الفلسطينية، مستبيحة دماء المئات من ابناء شعبنا، دون ذكر لذلك على منصات الجزيرة الاعلامية، الا عندما اقدمت كتائب شهداء الاقصى على احراق مقر رئاسة مجلس الوزراء، بمدينة رام الله، حيث غطت الجزيرة ما حدث في مدينة رام الله من ردات فعل على الانقلاب الحمساوي في مواد اعلامية مرئية، فيما اكتفت بخبر على الشريط الاخباري يشير الى اندلاع اشتباكات مسلحة بين مناصري حركة فتح والقوة التنفيذية التابعة لـ حماس، في حين ان ماحدث هو "حسم عسكري" وفقا لتعبيرات حماس وكانت اثاره واضحة وجلية في الميدان، متمثلا بالانقلاب الدموي والاغتصاب السياسي للسلطة وللمؤسسات الوطنية الفلسطينية. 
المعضلة الحقيقية في الجزيرة تكمن بأنها تتقن ممارسة اللعبة الاعلامية وفقا لنظرية نعوم تشومسكي، فالتغطية الاعلامية تخضع لرؤية وسياسة صانع السياسة الاعلامية بالتوافق مع صانع القرار السياسي والاقتصادي للمؤسسات الاعلامية العملاقة والأنظمة السياسية الحاكمة، ففي حال مواءمتك وانسجامك مع النظام الحاكم يبدو من السهل ان تحظى بتغطية إعلامية معقولة، وفي حال مخالفتك لذلك يتم اقصاؤك من المشهد الاعلامي لتندثر وكأنك غير موجود، وهذا يتعارض جوهريا مع مبدأ الجزيرة في التغطية الاعلامية التي تصف ذاتها بأنها منبر "للرأي والرأي الآخر" (...!!)، فالجزيرة لا ترى اي ذنب يذكر في استضافة ممثلين عن الكيان الاسرائيلي الصهيوني، وتتغاضى عن التطرق اعلاميا لقضايا قد تمس "حماس" وممارساتها غير المقبولة "وطنيا، دينيا، سياسيا، انسانيا". وتعمل على تهميش نبض الشارع في غزة وتروج لنبض الشارع في الجزائر وغيرها من الدول العربية، التي كان للجزيرة دور تاريخي على زج شعوبها في حقبة جديدة من الفرقة التشرذم والتناحر، بغرض تأمين موضع قدم لقطر سياسيا في العالم العربي وليبيا مثال على ذلك. 
سياسات الجزيرة وممارساتها الاعلامية وتغطياتها الاخبارية ضربت بعرض الحائط القيم الاساسية للصحافة الرصينة والمتمثلة بالموضوعية والحياد والصدقية والوصول الى الحقيقة، بطريقة تجعلها تشابه الى حد كبير الاعلام في الدول الشمولية والانظمة الاستبدادية الحاكمة، فحكومتا كوريا الشمالية والصين الشعبية تضعان قيودًا وانظمة رقابية تضمنا لها السيطرة على الاعلام وتحجبان ما لا ترغبان بوصوله الى شعبيهما، فهذه الشعوب تدرك تمامًا انها محكومة بقبضة من حديد وان التنوع والرأي النقدي غير مسموح به، لكن الخطير في الامر ان تتستر المؤسسات الاعلامية تحت شعارات "الرأي والرأي الآخر"، وتستبعد كل من لا يوافقها الرأي، خصوصًا إن تعلق الامر بحماس والاخوان، الامر الذي يخلق حالة من عدم الرضى من قبل الجماهير الواعية المدركة للكم الهائل من الشعارات الاعلامية الواهية. 
واذكر بوضوح تام كيف تجاهلت قناة الجزيرة خطاب الرئيس محمود عباس امام الجمعية العامة للامم المتحدة في شهر 9 من عام 2011، لتنتقل الى الصومال لتسليط الضوء على ظاهرة التصحر او الجفاف، بطرق تثير الريبة والشكوك بشأن أجندات السياسات الاعلامية واولويات التغطيات الاخبارية، بالاضافة الى العرض السينمائي الهوليويدي لبرنامج ما سمته "كشف المستور"، الذي عرضت فيه معلومات عن المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية، لتشن حملة غير مسبوقة للانقضاض على قادة الشعب الفلسطيني ورموزه السياسية، التي اثبتت التجربة منذ ذلك الحين الى يومنا هذا انهم لم يقدموا تنازلا او تفريطا بحقوق شعبنا، وخير مثال لذلك، الواقع السياسي الفلسطيني الحالي، الذي تدفع فيه القيادة الفلسطينية ثمنًا سياسيًّا باهظا جراء المواقف الفلسطيينة المبدئية مما تسميه الادارة الاميركية بـ"صفقة القرن"، بالاضافة الى الموقف الثابت فيما يتعلق بالاسرى والشهداء واحقيتهم في الحصول على اموال تضمن لهم العيش الكريم بعيدا عن الحاجة والعوز المادي. 
الابهار الاعلامي لقناة الجزيرة فقد بريقه بفعل وسائل التواصل الاجتماعي التي اتاحت الفرصة للمواطن العادي للوصول للمعلومة والحقيقة والمعرفة- رغم حجبها على شاشة الجزيرة- بيسر وسهولة متجاوزة سطوة وسيطرة الاعلام التقليدي، متخطية بذلك ما يعرف بحارس البوابة. فالجزيرة مستمرة ومصرة على الانحياز لطرف على حساب آخر، متورطة في اشكاليات اخلاقية ومهنية تثبت ان الجزيرة غير بريئة في معالجتها الاعلامية وفي التعاطي مع القضية الفلسطينية بمهنية. 
نأمل أن تأخذ الجزيرة بعين الاعتبار المصالح السياسية الوطنية الفلسطينية كما المصالح الوطنية القطرية او اقل من ذلك، وأن تنتهج الحياد والاتزان والشفافية في تغطيتها الاعلامية المنشودة للوصول الى الحقيقة ونقلها للعالم برمته بعيدا عن الاجندات السياسية والمصالح الاقليمية على حساب دمنا الفلسطيني النازف منذ الانقلاب الدموي في غزة عام 2007، وتقدم تغطية ميدانية للعالم العربي دون مغالاة او تحيز او مبالغة، وأن تأتي على ذكر الاحداث كما هي دون اضفاء صفات انطباعية بناء على قناعات مسبقة تتماهى مع رؤى وافكار على حساب اخرى، وهذا جزء من واجبها الاخلاقي ومسؤوليتها المجتمعية تجاه قضيتنا المقدسة.