قصيدة النثر.. النص التفاعلي والفضاء الإلكتروني

هاني جازم الصلوي في ديوانه "ما لا ينبغي أن يُقال" يتعامل مع الذات باعتبارها بنية من بنى الواقع اليمنيّ بشكلٍ خاص والواقع العربيّ بشكلٍ عام.
إبراهيم موسى النحاس
في ديوان "ما لا ينبغي أن يُقال" يتعامل الشاعر هاني جازم الصلوي مع الذات باعتبارها بنية من بنى الواقع اليمنيّ بشكلٍ خاص والواقع العربيّ بشكلٍ عام، لتتحول الذات إلى مفردة من مفردات هذه الواقع، ومرآة تعكس هذا الواقع حيناً وتخلق واقعاً موازياً في أحيان أخرى، ليصير اتكاء الذات الشاعرة على نفسها وعلى الجسد وكل ما هو حِسّيّ مرتبطٌ به بمثابة فضح وتعرية للواقع المؤلم الذي تتمرد عليه، كما يعطي للتجربة بُعداً إنسانياً وجودياً يمنحها القدرة على البقاء والتأثير في المتلقي حتى لو كان الجسد هو الملاذ / الوسيلة لتلك العملية "لأنّ تواصل الشهوات الحِسيّة يدل على تواصل في رغبة الحياة أخذاً وعطاءً، رغبة متوقدة مستمرة لتأكيد وعي جديد بإمكانيات لا نهائية، فالحسي معاينة للجزئي، والميتافيزيقي معايشة للكُلّي، والتفاعل بينهما حوار وجود"، هكذا يأخذ توظيف الجسد أبعاداً إنسانية وجودية تتجاوز النظرة السطحية له باعتباره مجرد صورة من صور كسر التابوهات داخل القصيدة. 
ويطالعنا التمرد على الحروب والاقتتال الداخلي في أولى قصائد الديوان، وما ينتج عن هذا الاقتتال من مفردات الحرب وعمليات النفي والتهجير والاغتراب فيقول في قصيدة "أعرفها بشامةٍ أجهلها":
توظيف فضاء الصفحة وفن السيناريو والمونتاج السينمائي والفضاء الإلكتروني في خلق قصيدة جديدة تتجاوز فنياً الكثير مما هو مطروح على الساحة
كأنها هي 
تقف على الحافة
مثل كلاشينكوف قديم
أفقدته الحروب هيبته 
لكنه يصنع لنفسه ذخيرته الخاصة
ويطلقها في الميادين العامة 
مع اقتراب أعياد الاستقلال 
وكأنها هي تروي 
سريانها في الضلوع 
في مثل هذه الأحايين 
ما ينبغي منّا، وما يجب 
بحياديةٍ وتحيّز 
تعيذ المغارات باللوز 
تسلك لؤلؤاً شائكاً 
............
 تبتهل كأجراسٍ لا نهائية. 
يا لغريبين أضاءا!
...........
مثقوبة عمامة الفتى 
دائماً 
ودافقٌ صليلها".
 وتتسع دائرة التمرد في الديوان لتتجه بقوة نحو آليات التشكيل والبناء الفني للقصيدة، فالشاعر لم يستلهم ـ مستسهلاً ـ تجارب سابقة عليه في الكتابة، ولم يتجه نحو التقريرية والمباشرة في التعبير عن رؤيته، بل قامت القصيدة عنده على النص التفاعلي الذي يتبنّى كسر أُفُق التوقع لدى القارئ، مع استغلال وتوظيف فضاء الصفحة وفراغها اعتماداً على البعد البصري، واستغلال اللقطات السينمائية وتوظيف فن المونتاج والسيناريو داخل القصيدة مع خلق فراغات دلالية عن قصد داخل القصيدة يكملها القارئ ليصبح القارئ متلقياً ومؤلفاً مشاركاً في صنع النص، كذلك يستفيد الشاعر من توظيف ثنائية المتن والهامش، مع الاستفادة من التقدم الهائل في عالم الاتصالات خصوصا البعد الإلكتروني لخلق نصوص موازية داخل النص الواحد الذي لم يعد يعتمد على المتن فقط بمفهومه التقليدي الذي يقف عند كونه مجرد معنى النص أو ما يقصده الشاعر في القصيدة.
 مثل هذا النص التفاعلي يحتاج إلى موهبة بارعة وقدرة واعية على إعادة تشكيل بنية النص الشعريّ، وتوظيف الرمز فراغات الصفحة لخلق دلالات منفتحة ومتشعبة، آليات جديدة اعتبرها البعض من معايير الشعرية بل أحد معايير القيمة في العمل الأدبي التي تميزه عن غيره من النصوص المستهلكة "إن انفتاح النص على سيل من الدلالات هو انفتاح منتج بالنظر إلى طبيعة النص الخلاّقة، التي تستجيب للتجدد والاختلاف، لأنّه نص تكوّن من رموز وإشارات حُرّة مشبعة بإمكانات دلالية واسعة، مما يدل على أنّ العمل الأدبيّ يستوجب نصيباً كبيراً من الكثافة الدلالية التي تؤهله لقراءات متعددة، وأغلب الظن أن طبيعة ثراء النص وغِنى دلالته هي التي تتيح له تجاوز محدوديته إلى فضاءات دلالية مثمرة". 
في قصيدة "من أخوات كان" يوظف الشاعر البعد البصري وفضاء الصفحة ليخلق النص الموازي، فنجد على يمين كل مقطع فعلاً من أخوات كان مكتوباً بحجم أكبر من حجم المقطع الشعري التابع له، كما نجد الفعل أكثر تظليلاً في حروفه في حين جاءت حروف المقطع بدون تظليل ليعطي الشاعر تسليطاً للضوء ـ دلالياً ـ على تلك الأفعال، وكأنه مصور يقوم بعمل Zoom عليها حتى موقعها يأتي على يمين المقطع وأسفلها فراغ بينما يأتي كل مقطع على يسارها، فيقول:  
نص يتشعب دلالياً
أصبح مذ عرّفته به
أكثر شحوباً 
جنوناً 
شاعرية 
و..........
 و.............. 
وأرقاً.
نلاحظ في هذه المقطع أن حرف العطف تكرر مرتين مع حذف الاسم المعطوف، واستبداله بنقاط ليترك للمتلقي الفرصة لملء تلك الفراغات مكان النقاط فيتحول القارئ إلى مشارك في تأليف النص.
وتعتبر قصيدة "آية" من القصائد الدالة في بنيتها على ذلك النص التفاعلي، فبالإضافة إلى استغلال فضاء الصفحة وتوظيف الحذف يستخدم الشاعر بنية سيميائية أخرى تقوم على الاستفادة من المتن والهامش لتوليد ما يمكن تسميته بالنص الموازي ليتشعب النص دلالياً إلى أكثر من نص في وقت واحد. فتحت العنوان مباشرة نجد مفتتحا مكتوباً بخط أصغر من الخط الذي كتبت به حروف المتن، هذا المفتتح يمثل نصاً مكتملاً يقوم على لغة السرد واستلهام لغة وبنية القصة القصيرة، ثم يأتي المتن نصاً ثانياً في ترتيبه بعد المفتتح رغم كون المتن هو النص الأساسي في القصيدة، وأسفل الصفحة الأولى من صفحات المتن نجد هامشاً يحيلنا إلى بعدٍ دلاليّ آخر مغاير للمتن، ثم نجد توظيف الحذف بكثرة ليمثل الجزء الذي سيكمله القارئ بنفسه نصاً آخر موازياً مع المفتتح والمتن والهامش، لتؤكد تلك القصيدة على أننا أمام نص يتشعب دلالياً، وأننا أمام نص تفاعلي منفتح يتجاوز بطبيعة بنيته أحادية القراءة.
تيمة أسلوبية أخرى يستخدمها الشاعر مستفيداً من أحد الفنون البصرية وهو فن السينما حين يستخدم لغة السيناريو، والاهتمام باللقطة السينمائية بكل تفاصيلها، ثم يقوم بعمل مونتاج لتلك اللقطة كما فعل في قصيدة "في رثاء الأبيض" حين قال:
إنك تسدي إلى حديقة الأورمان
معروفاً بحضورك الساعة بمعية
عبدالوارث المنتشي
هذا المتلوي على عوده الوثنيّ
"عوده الذي فرّ إلى شجرة مجاورة" 
براها الشوق
يا لقرارك الصائب بترك المكان
صوب شارع محمد علي
لانتقاء عود آخر
كم هو فضولي هذا البائع!
وكم هو رحب!!
ما لنا وقلب الشجرة الأم؟!
كم هو رحب!!
ما لنا وإعجاب فيصل علوي
بمنتجات المحل؟!
 .................
فالدخول إلى حديقة الأورمان معروفاً بمصاحبة عبدالوارث في تلك الساعة مع وجود عود عبدالوارث الذي يفر إلى شجرة، مما يدفع الشاعر إلى اتخاذ قرار صائب بترك المكان إلى شارع محمد علي لانتقاء عود آخر، وهنا يقوم الشاعر بعمل شكل من أشكال المونتاج في فن السينما الحديثة، وهو القطع المتقاطع "cut – cross " والذي عرّفه د. محمد عجور بأن فيه "يتم الانتقال من مشهد أساسي إلى مشهد آخر فرعي أقل أهمية ثم العودة للمشهد الأساسي مرّة أخرى بهدف إطالة التوجس والتشويق".
ويستغل الشاعر التقدم الهائل في تكنولوجيا الاتصالات والإنترنت والوسائط المتعددة ليوظف هذا العالم الإلكتروني في تشكيل المعجم الشعري داخل قصائد الديوان على مستوى اللفظة المفردة، وعلى مستوى الصورة الشعرية أيضاً، ولم لا وقد لاحظ البعض أهمية عالم الميديا والاتصالات في التشكيل الثقاافي. يقول د. محمود الضبع: "أن الميديا والوسائط المتعددة والإنترنت وكافة الوسائط التكنولوجية تدخلت اليوم في صياغة مفاهيم الثقافة والعلم والمعرفة، وتدخلت كذلك في الإبداع الأدبي عموماً". فتنتشر بين قصائد الديوان الكثير من المفردات المأخوذة من هذا العالم الإلكتروني كما في قصيدة "في رثاء الأبيض".
 من خلال هذه القراءة يمكن أن نقول إن الشاعر في ديوان "ما لا ينبغي أن يقال" بنى رؤيته على فكرة التمرد، حيث التمرد على الواقع اليمني الخاص والواقع العربي العام، ورفض مفردات الحرب والاقتتال الداخلي، موظفاً للذات الشاعرة باعتبارها إحدى مفردات هذا الواقع الذي لا تنفصل عنه بحالٍ من الأحوال، ومعتمداً في التعبير عن رؤيته على أبعاد تجريبية في تشكيل القصيدة تتجاوز ما هو تقريري ومباشر ومستهلك، إلى آفاق أرحب من التجريب القائم على النص التفاعلي متشعب الدلالات، مع الاستفادة من آليات الميديا كالسينما والمسرح والتشكيل البصري وتوظيف فضاء الصفحة وفن السيناريو والمونتاج السينمائي والفضاء الإلكتروني في خلق قصيدة جديدة تتجاوز فنياً الكثير مما هو مطروح على الساحة في جهد إبداعي شاق رآه البفض معياراً للشعرية وللقيمة في النص الأدبي "فالفن الصادق لا بد أن يبنى على جهد إبداعي متشعب، ولا بد أن يقدم نوعاً من المعرفة لا يتيسر إلاّ على نحو غير مباشر، فالأدب الذي يعتمد على التقرير والمباشرة والخطابة لا يكون أدباً، والكشف عن مسالك عظيمة في الفكر والأدب يتطلب مواهب عالية واستعدادات عقلية خاصة".